مناقشة بعض الأحكام الاجتهادية البارزة التي يَظنُّ البعضُ أنَّ فيها مخالفةً للنُّصوص.

على أنَّ طائفةً من الكاتبين أو الباحثين في هذا المقام -قديماً أو حديثاً- يوردون بعض جزئيَّات من صوَر التَّبدُّل، ويذكرون في بعضها أنَّه جاء على خلاف ما تقتضيه النُّصوص. والواقع -كما هو واضحٌ لنا، أو كما يبدو لنا-: أنَّه يمكن ردُّ ذلك إلى تفسيرٍ في النصوص على مقتضى ما تدعو إليه من دلالات الألفاظ التي تختلف باختلاف ظروفها وقرائنها، كدلالة المفاهيم والصيغ والمصطلحات وما إليها، ممَّا يمكن أن يوجد في ألفاظ الكتاب والسُّنَّة ثروةً تسمح للمجتهد أن يتصرَّف في فهمها في دائرة تلك الدِّلالات الَّتي بيّنت مواضعَها كتبُ أصول الفقه أو كثير منها، حسب طريقة كلّ منهم في التأليف في علْم الأصول.

 وبناءً على هذا، نستطيع القولَ بأنَّ من ذكَر خلافاً في هذا المقام، فإنَّ نظرتَه إليه نظرةٌ ظاهريَّة غير فاحصة ولا عميقة؛ ومن ثَمَّ فإنَّني أتَّجه -كما قلتُ وكرّرتُ- إلى تأييد القول بعدم جواز تبديل الأحكام الثَّابتة بالنَّصِّ، لأنه بالتأمل فيما نُقل عن الصَّحابة والتابعين وبعضِ الأئمة مُشعراً بمخالفته لبعض النصوص، يظهر أنه ليس فيها تبديل للنص ولا خروج عليه. وإليكم بيان ذلك في بعض الجزئيات على سبيل المثال والتَّوجيه.

 وقبْل أن نَذكر بعض هذه الأمثلة، يُمكنك أن ترجع مثلاً إلى ما كتبه ابنُ القيِّم في "إعلام الموقِّعين".

نذكر من هذه الأمثلة ما يلي:

 

 1- شرب الوليد بن عقبة الخمرَ، وهو أميرٌ على جيشٍ في أرض الروم، وثبَت ذلك عليه؛ فأشار بعضُهم بإقامة الحدِّ عليه. فتصدَّى لهم حذيفةُ بن اليمان، وقال: "أتحُدُّون أميرَكم، وقد دنوْتم من العدوِّ؛ فيطمع فيكم؟". فكَفّوا عمَّا كانوا يفكِّرون فيه.

أقول: ليس في هذه الواقعة -كما يبدو لي- ما يدلُّ على المدَّعَى من تبدُّل لِحُكم منصوص عليه، لأنَّه لم يثبت امتناعُهم عن إقامة الحدِّ نهائيَّاً؛ إذ من الجائز أن يكون قد أُرجِئ لأنَّه هو الأميرُ الَّذي يَملك إقامة الحدِّ، ولأنَّه في أرض العدوِّ؛ وقد نهى النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن إقامة حدِّ السرقة في أرض العدو، حيث قال: ((لا تُقطعُ الأيدي في الغزو)). وعلَّله كبار الصحابة بأنَّ المنع لِما يترتَّبُ على فعْله من ضررٍ أكبر، كلحوق مرتكب الجريمة بالعدو حميّة وغضباً. فلْيكُنْ حدُّ الشّرب مقيساً على حدِّ السرقة في هذا، للاشتراك في العلّة.

فالنبي خَصَّص من عموم إقامة الحدِّ نوعاً خاصَّاً بما كان في أرض العدوِّ أثناء الغزو. وذلك التَّخصيص -وإن كان في جزئيَّة السرقة- فإنَّه يُقاس عليها ما يُشبهها؛ فكان ذلك قياساً مُخَصِّصاً لِما أجمع عليه الصحابة من إقامة الحد على شارب الخمر، لا مخالفاً لهم، بل هو في الحقيقة عملٌ بالإجماع الذي دلَّ على أنه لا تُقام الحدود في أرض العدو.

كما أفاد ذلك كلام ابن القيم في نقْله الذي يقول فيه: "قد نصَّ أحمد، وإسحاق بن راهويه ، والأوزاعي، وغيرُهم من علماء المسلمين، على أنَّ الحدود لا تقام في أرض العدو. ونُقل عن أبي محمد المقدسي: أنَّه إجماعُ الصَّحابة، وأنَّ عمر كتب ألاّ يقيمَ أميرُ جيش ولا سريّة حدَّاً وهو غازٍ، لئلا تلحقَه حميَّة الشيطان فيلحقَ بالكفار".

 

2- ومثالٌ آخَر: أسقط عمر بن الخطاب حدَّ السرقة عن السارق عام المجاعة؛ وهذه المسألة تدخل تحت قاعدة الضَّرورة التي أجمع المسلمون على اعتبارها وترتُّب الأحكام عليها.

يقول ابن القيِّم في ذلك: "إنَّ سقوط القطع في المجاعة محضُ القياس، ومقتضى قواعد الشرع، لِما يَغلب على الناس من الحاجة والضرورة؛ وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج. ويمكن القول بأن عدم القطع هنا يرجع إلى نصِّ وقول الرَّسول -صلى الله عليه وسلم-: ((ادْرَؤوا الحدود بالشُّبُهات ما استطعْتم)) -أو كما قال صلَّى الله عليه وسلم-. فكأنَّ سقوط القطع أو عدم القطع في المجاعة لِشُبهة الحاجة والضَّرورة التي تدفع الإنسان لأن يأخذ مقدارَ ما يُغيث به نفسَه، أو ما يسدُّ به رمَقه، ولا يكون سارقاً؛ بل يجب على صاحب المال بذلُ ذلك له، إمَّا بالثمن أو مجاناً على خلاف في ذلك. والصَّحيح: وجوبُ بذْله مجاناً، لوجوب المواساة، وإحياء النُّفوس مع القدرة على ذلك، والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج، كما قال ابن القيم الذي أضاف: "وهذه شبهة قويَّة تدرأ القطع عن المحتاج؛ وهي أقوى من كثير من الشُّبَه التي يَذكرها كثير من الفقهاء. بل إذا وازنت بين هذه الشُّبهة وبين ما يَذكُرونه، ظهر ذلك التفاوت. فأين شبهةُ كونِ المسروق ممَّا يُسرع إليه الفساد؟ وكوْن أصله على الإباحة كالماء. وشبهة القطع به مرةً؟ وشبهة دعوى ملْكه بلا بيِّنة؟ وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو احتلاب من الضرع؟ وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه؟ وغير ذلك من الشُّبَه الضعيفة جداً، إلى هذه الشُّبهة القويَّة؟ لاسيَّما وهو مأذون له في مغالبة صاحب المال على أخْذ ما يسُدُّ به رمَقه. وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرُّون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه مَن يجب عليه الحدُّ بمَن لا يجب، فدُرئ. نعم، إذا بان السارق لا حاجة به وهو مستغنٍ عن السرقة، قُطع".

كلُّ هذا يُبيِّن لنا: أنَّ الأمر -في نظر عمر- لم يخرج عن النص، وليس فيه إبطالٌ له، ولا نسخٌ ولا تعديل؛ وإنَّما هو تطبيق دقيق للنص الشرعي، مع ملاحظة رغبة الشَّارع الصَّريحة في درء الحدود بالشُّبهات. ومعنى هذا كلِّه: أنَّ عمر لم يوقف حدَّاً وجَب، ولم يكن له أن يفعل؛ فالحدُّ لم يجب، ولم يستوْفِ شروطه، ولم تنتفِ موانعَه؛ بل الواقع أنَّ الحدَّ لم يجب أصلاً بوجود الشُّبهة العامة التي أوجبت درْءه، وهي المجاعة.

ولاحِظوا أنَّني أسهبتُ أو أطلت الكلام في هذه المسألة، لكثرة ما ينبني عليها من هجوم أو جرأة على نصوص الشريعة الإسلامية، ودعوى وقف العمل ببعضها لمصلحة متوهَّمة أو بذريعة تغيُّر الظروف والأحوال، وغير ذلك من المزاعم المغرضة والفاسدة. ويحتجُّون بفعل عمر -رضي الله عنه-، وقد خاب من افترى وظلَم نفسه ودِينه، بل والنُّصوصَ وفقْهَ عمر!{كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً}.

3- وثمَّة مثال ثالث يؤكِّد ما نفهمه، من أنَّ تغيُّر بعض الأحكام والفتاوى ليس تبديلاً للنُّصوص ولا خروجاً عليها. أقول:

يرى بعضُ الفقهاء جوازَ إخراج زكاة الفطر من غير ما ورد النَّصُّ عليه، كغالب قوت البلد عند الشافعية، أو القيمة عند الأحناف. والتَّحقيق: أنّ هذا من قبيل القياس، وليس فيه تبديل الحُكم، فضلاً عن مخالفة النَّصِّ؛ فإنَّ العلة من إخراج صاعٍ من تمر أو شعير أو زبيب: إغناءُ الفقير عن السُّؤال في هذا اليوم، بسدِّ حاجته في ذلك اليوم، كما بيَّن النَّبيُّ العظيم الرحيم بأمّته -صلَّى الله عليه وسلم-. وهذا المعنى متحقِّق بإخراج ما عدا هذه الأصناف ممَّا تتجدَّد مع الزمان، وتختلف باختلاف المكان والأحوال، وممَّا يحصل معه ذلك الغرض بما يناسب الزَّمان، وإن اختلفت وجهة نظر الفقهاء في ذلك، توسعةًً في دائرته وتضييقه.

 ولذلك، لست في مقام ترجيح رأي على آخَر، بقَدْر ما أريد تثبيت فكرة الاجتهاد في فهْم النصوص وتطبيقها بما لا يُعدُّ تبديلاً أو مخالفةًً لها.

4- ومثال رابع وأخير: أجاز بعضُ الفقهاء طوافَ الحائض بالبيت الحرام أيَّام الحج، مع نهْي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك. والواقع أنَّ هذه الحالة ضرورةٌ، حرصاً على أداء فريضة الحجّ للمرأة التي قد يَعرض ما يمنعُها بعد ذلك. وأمَّا في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الرَّاشدين، فقد كان يحتبس الرَّكب لأجْل الحيّض، ولكنَّه استحال ذلك فيما بعد عادةً، فرخَّص هؤلاء لهنَّ الطواف بالبيت على اختلاف وتفصيل بينهم أيضاً.

ومثل ذلك يقال في بعض مناسك الحج الأخرى، كرمي الجمرات وغيرها...

يقول القرافي، تأييداً لِما فهمناه من أنَّ الَّذي يُستبدل من الأحكام ما ليس في مقابلة نص ولا إجماع: "إنَّ جميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد، إذا تغيَّرت العادة تغيَّرت الأحكام في تلك الأبواب".

فهذه العبارة تدلّ على: أنَّ كلّ حُكم مصدره العادة يتغيَّر بتغيُّرها. ومقتضاه: أنَّ ما كان مصدره النص أو الإجماع لا يتغيَّر.

قد فهم بعض الباحثين: أنَّ عبارة القرافي تشمل ما كان ثابتاً بالنص أيضاً أو بإجماع، ولم يتنبّه هؤلاء إلى تقييد القرافي ذلك بما كان محمولاً على العوائد، على حدِّ قوله.

ولذلك أعود فأقول: الواقع أنَّ القرافي في هذا يُقرِّر أصلاً من أصول مذهب إمامه، الذي يقول بالمصلحة إذا لم تكن معارضةً لأصل من نص أو إجماع، ويتَّفق مع ما أورده الشَّاطبيُّ (ت790هـ) في "الموافقات" أيضاً من قوله: "إنَّ المصلحة المرسَلة تُعتبر إذا كانت ملائمةً لمقاصد الشرع، بحيث لا تُنافي أصلاً من أصوله، ولا دليلاً من دلائله". بل نقل البعض عن الإمام مالك: أنَّ المصلحة إذا عارضها نصٌّ، تُلغى.

 قد أشرنا إلى مثل ذلك عند الكلام على رأي العلماء في المصلحة، خلافاً لمَن ادَّعى من هؤلاء الباحثين: أنَّ في فروع الإمام مالك ما يقتضي اعتبارَ المصلحة ولو كانت في مقابلة النص؛ فهو خالف ما اشتهر من قوله بالمصلحة المرسَلة، وتفسير الإرسال بأن لا تعارض المصلحة أصلاً ولا دليلاً.

 فلننظر مرة أخرى فيما قاله القرافي المالكي في كتابه "الفروق"، حيث قال: "الأحكام المترتِّبة  على العوائد تدور معها كيفما دارت، وتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في البيعات، ونحو ذلك... فلو تغيَّرت العادة في النَّقد والسِّكة إلى سكَّة أخرى، لحُمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السِّكة التي تجدَّدت العادة بها دون ما قبْلها. وكذلك إذا كان الشيء عيباً في الثياب في عادة رددنا به المبيع، فإذا تغيَّرت العادة وصار ذلك المكروه محبوباً موجباً لزيادة الثَّمن، لم تُردَّ به -أي: السلعة-. وبهذا القانون تُعتبر جميع الأحكام المترتّبة على العوائد هي تحقيق مُجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه".

وعلى هذا القانون، تُراعى الفتاوى على طول الأيَّام؛ فمهما تجدَّدَ في العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه. هذا هو الحقُّ الواضح المبين، والجمود على المنقولات أبداً ضلالٌ في الدِّين، وجهْل بمقاصد علماء المسلمين والسَّلف الماضين.

 وأشار إلى: أنَّ ملاحظة هذه القاعدة من أسباب الخلاف الفقهي بين الخلف والسلف، وهو أيضاً ما فعَله ابن القيم في كتابه "إعلام الموقّعين" حيث عقد فصلاً في تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة، والأحوال والنِّيَّات والعوائد، وقال: إنَّه فصلٌ عظيمُ النَّفع جدَّاً.

وفي هذا القَدْر كفاية، وبالله التَّوفيق. والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.