مراعاة التَّغيُّر هو مسلك الشارع الحكيم، وأثر العُرف في  تغيُّر الفتوى.

الفكرة الثَّانية في المحاضرة: أنَّ الشَّارع في تصرفاته منذ كان ينزل القرآن، هو الذي رسَم لنا تلك الخطة بالتَّغيير في الأحكام بالنَّسخ لبعضها والتَّدرُّج في تشريعها، مسايرةً لمصالح الناس بالأخفّ والأيسر عند الحاجة، أو انتقالاً إلى الأشقِّ كذلك عند الحاجة، تثبيتاً للنُّفوس ومقاومةً لما فيها من رعونات أو انحرافاتٍ قد تجرُّ إلى فساد الاختلاف والعداوة، وأنَّ في هذا التَّصرُّف لَتعليماً لولاة الأمر من الحُكام والعلماء: أن يسلكوا مسلك هذا التصرف، وأن يتَّخذوا من حكمة الشارع حكمةً تُمكِّن الناس من خلافة الله في الأرض، بالتماس ما يُصلحُهم، والدَّوران حولَ ما تَطَلَّبُهُ حاجاتُهم ومنافعهم.

 ومع هذا، فمعلومٌ: أنَّ النسخ في الأحكام والتّدرج في تشريعها من اختصاصات المشرِّع، ومن الأمور التي لا تكون إلاّ في فترة الوحي ولا تقع بعدها؛ لكننا نفيد فقط من هذا المنهج في سياساتنا وأمورنا الاجتهادية التي قد تتغير بتغيُّر الظروف والأحوال.

الحُكم الاجتهاديُّ قابلٌ للتَّبديل:

ثم أنَّ فيما تُصوِّره السّنة النبوية الشريفة من ذلك، ما يركِّز في نفس الفقيه: أنَّ الحُكم المجتهَد فيه لا ينبغي أن يكون لزاماً على الناس لا يقبل تحويلاً ولا تبديلاً؛ فقد روى أحمد وغيره: ((أنَّ عليَّاً -رضي الله عنه- قال: يا رسولَ الله، إذا بعثْتني في شيءٍ، أأكونُ كالسِّكَّة المحماة،  أم الشَّاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: بل الشَّاهد يرى ما لا يرى الغائب)).

 والمقصود بـ"السِّكَّة المحماة": الحديدة التي تُسَكُّ عليها النُّقود، والمعنى: أأكونُ كالآلة، فلا أتصرَّف بما تتطلَّبه المصلحة والظُّروف؟

وهذا يدلُّ على: أنَّ مراعاة المصلحة أمرٌ له خطرُه، ويسمح بالتصرف حتى في أثناء نزول الوحي، ما دام الشخص في مكانٍ تدعو ظروفه إلى التصرف؛ فيا لها من سماحة ويسر!

الفكرة الثالثة: أثر العُرف في  تغيُّر الفتوى:

 نماذج من الأحكام التي دارت مع المصلحة، وروعي فيها العُرف الجاري:

أولاً: من عهد الصحابة -رضي الله عنهم-:

- وقد روي أيضاً: أن الإمام عليَّاً بدَّل حُكماً يتَّصل بتضمين الصُّنَّاع، فقال بجواز التَّضمين ما لم يَقُم الصانع ببيِّنة على أنه لم يتعدَّ أو لم يفرِّط في الأمانة أو في حفظ الشيء المستصنَع، وهو هو الذي طلب منه تصنيعه ثم ضاع أو احترق  أو تلف بأيِّ شكل من الأشكال. وكان الحُكم قبل ذلك بعدم تضمين الصناع، لأنَّ يدَهم يدُ أمانة، ويد الأمين غير ضامنة. وإنما عدل الإمامُ عليٌّ عن ذلك، لأنَّه رأى النَّاس لا يحتاطون في حفظ الأمانات، وربما أدَّى ذلك إلى ضياع بعض الأموال، وإيجاد العداوة والشَّحناء بين النَّاس.

- كما روي أنَّ عثمان بن عفان أمَر بالتقاط ضوالِّ الإبل وبيْعها؛ فإذا جاء صاحبها أُعطي ثمنَها. كما أنَّ الرَّسولَ -صلَّى الله عليه وسلَّم- كما ورَد في البخاريِّ: ((سُئل عن ضالَّة الإبل: هل يلتقطُها من يراها؟ فنهى -صلوات الله وسلامه عليه- عن التقاطها، لأنَّه لا يُخشى عليها، وأمر بترْكها تردُ الماء وترعَى الكلأ)).

وكان الحُكم  على ذلك حتى خلافة عثمان. فلما رأى النَّاسَ قد دبَّ إليهم فسادُ الأخلاق، وامتدَّت أيديهم إلى الحرام، بدَّل الحُكم.

 وهو في الحقيقة لم يترك  النَّصَّ ولم يُعطِّلْه تقديماً للمصلحة عليه، وإنَّما بنى الحُكم على مقصود النَّص. فلو أبقى الحُكمَ على ما كان، مع ما لاحظه من فساد أخلاق الناس، لآل الأمرُ إلى عكس المقصود من النَّصِّ، الذي يتَّضح أنَّه مبنيٌّ على رعاية أحوال النَّاس وأخلاقهم في ذلك الحين أو في ذلك الزَّمان.

 - وهكذا، من تتبَّع تصرُّفات الصَّحابة وعلى رأسهم عمر، الذي طالما غيَّر بعض الأحكام إلى ما يرى أنه مصلحة، مع تفسيره النصوص تفسيراً يتّفق أيضاً مع المصلحة -وإن كان ظاهره قد يشعر بالمخالفة-، كما في منْع سهم المؤلّفة قلوبهم، ومنع تسليم الأرض المفتوحة إلى الغزاة المحاربين في الفتح الإسلاميِّ  في العراق، وكذلك معاقبة الناس بإعمال عباراتهم وإيقاع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، ومنع خروج النساء إلى المساجد عدولاً عن الأحكام السابقة تحقيقاً للمصلحة واجتهاداً منه في إطار السِّياسة الشَّرعية.

ثانياً: من عصر التّابعين:

 وقد درج التَّابعون على ذلك، فأفتَوا بجواز التَّسعير، مع نهي الرَّسول -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك.

 وقالوا: إنَّ النَّاس فجروا أو طغَوا و بغَوا بما أصابهم من الجشع، فأراد الفقهاء مقاومةَ ذلك، عملاً بالحديث الشريف: ((لا ضَررَ ولا ضِرارَ)) الذي يقتضي بعمومه العملَ على رفْع الغبْن ومقاومته. وفي هذا يقول ابن القيّم: "إنَّ نهيَ النَّبيّ عن التَّسعير لعدم وجود ما يقتضيه، ولو كان هناك مقتضٍ له لفَعَله، وإلاّ فإنَّ التَّسعير كما يقول: منه ما هو ظلمٌ محرّم، ومنه ما هو عدلٌ جائز".

كما أفتَوا بردِّ شهادة الآباء للأبناء، والأخ لأخيه، وأحد الزوجيْن للآخَر، مع تجويز هذه الشهادة من قبْل. وإنما قالوا ذلك لمَّا ظهر التَّزوير، وظهرت المحاباة في الشَّهادة من هؤلاء لهؤلاء.

ثالثاً: من أحكام الأئمّة المجتهدين:

 ثم جاء الأئمّة المجتهدون بعد ذلك، فدرجوا عليه وساروا في نهجه:

 فأفتى أبو حنيفة ومالك بجواز دفع الزكاة لبني هاشم، وفهموا أنَّ النَّصّ الذي يُحرِّم الزَّكاة عليهم لم يكن على إطلاقه، ولكنَّه مقيَّدٌ بأخذ نصيبهم من بيت المال؛ فلمَّا زال القيدُ زال التَّحريم، منعاً للضَّرر وتطبيقاً لحديث: ((لا ضرَرَ ولا ضِرارَ)). وليس في هذا تقديمٌ للمصلحة على النَّصّ، وإنَّما هو تصرُّف في تفسير النَّصّ.

 ثم جاء بعض تلاميذ الائمَّة فأفتَوا في كثير من المسائل الفقهيَّة بعكس ما أفتى به أئمَّتُهم، وقالوا: إنَّه اختلافُ عصر وزمان، لا حجَّة وبرهان، أو إنَّه اختلاف الزَّمان وفساد الأخلاق؛ حتَّى وضع الفقهاءُ قاعدةً تقول: "لا ينُكر تغيُّر الأحكام بتغيُّر الأزمان". ونذكر من ذلك:

اختلافهم فيمن يكونُ منه الإكراه:

فنُقل عن أبي حنيفة: أنَّ الذي له القدرةُ على الإلزام والإكراه بطريق الجبر والتَّهديد، هو السُّلطان. فهو وحده يملك تنفيذَ ما توعَّد به. على حين نُقل عن الصَّاحبيْن أبي يوسف ومحمَّد: أنَّ الإكراه يتحقَّق من السلطان وغيره، لأنَّ الأساس فيه أن يقع الشَّخص تحت تهديد الغير وبطشه، ما دام قد غلب على ظنه جدِّيَّته وقدرته على تنفيذ ما توعَّد أو هدَّد به.

ثم قال الفقهاء: إنَّ هذا الخلاف منشؤه: أنَّ زمن الإمام أبي حنيفة لم يكن لغير السلطان فيه قدرةٌ على الإكراه، لشدَّة  استتباب الأمن. ثم لما تغيَّر الحال في زمانهما، أي: في زمان صاحبيْه، لذلك أخذوا برأي الصَّاحبيْن، ونَصُّوا على أنَّ ما قاله الإمام يَرجع إلى اختلاف الزَّمان.

اختلاف الإمام أبي حنيفة وصاحبيْه في عدالة الشهود:

 ومن ذلك: اختلافُ الإمام وصاحبيْه في تعديل أو عدالة الشُّهود لتحقِّق العدالة المطلوبة في الشَّهادة المطلوبة. فالإمام لا يشترطُ ذلك، لأنَّه كان في عصرٍ تغلبُ فيه العدالةُ، فلم يشترط التَّعديل إلا في الحدود والقصاص، لابتناء أمرهما  على  الدِّقة و الدَّرء  بالشُّبهة.

وأمَّا الصَّاحبان فقد اشترطا التَّعديل أو العدالة  لكلِّ شهادةٍ، لِما رأياه من فساد الزَّمان. ثمَّ جاء المتأخِّرون ولاحظوا نُدرة العدالة الكاملة، ووجدوا أنَّ القاضي إذا تطلَّب دائماً نصاب العدالة الشَّرعيَّة  في الشُّهود، شقَّ الأمر على المكلَّف بإقامة البيِّنة، ممّا قد يترتب عليه عجزه عن الإثبات وضياع حقّه، فأفتَوا بقبول شهادة الأمثل فالأمثل. أي: إنهم تنازلوا عن شرط العدالة المطلقة إلى العدالة النسبية.

مسألة إعطاء الأجر على تعليم القرآن ونحوه:

 يقول ابن عابدين الفقيه الحنفيُّ المتأخِّر: إنَّ الأحكام المبنيَّة على العرف يجري فيها التَّغيير بتغيُّر العرف. فقد كانت العطايا الكافية تُعطى للمشتغلين  بتعليم القرآن، ممَّا جعل أبا حنيفة يمنع  إعطاء الأجر على تعليم القرآن ونحوه. فلمَّا انقطعت هذه العطايا بعد ذلك، أفتى المتأخِّرون بجواز إعطاء الأجر على القيام ببعض الأعمال الدِّينيَّة، كالإمامة، وخطبة الجمعة، وتعليم القرآن، وتعليم العلم، حرصاً على إقامة الشعائر الدِّينيَّة بين النَّاس، ونشْر علوم الدين.

مسألة ضمان منفعة العين المغصوبة مدّة الغصب:

 والمعروف في المذهب الحنفي مثلاً: أنَّ المنافع ليست بأموال، فلا تُقوَّم في ذاتها، وإنما يقوِّمها عقد الإجارة؛ وعلى هذا فلا تُضمن منفعة العين المغصوبة مدة الغصب عندهم. لكنَّ المتأخِّرين منهم أفتَوا بالتَّضمين إذا كان المغصوبُ مالَ وقف، أو مال يتيم، أو مالاً معدَّاً للاستغلال. وقد لاحظوا في ذلك ضعف الوازع الدَّينيِّ وتجرُّؤ النَّاس على الغصب. ويمكن تعميمُ التَّضمين وعدمُ قصره على هذه الأمور، نظراً لازدياد فساد الذِّمَم وكثرة الطَّمع والاعتداء على حقوق الغير.

مسألة التَّسعير:

ويقول ابن حبيب، الفقيه المالكي، في مسألة تسعير السلَع أيضاً: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل السوق ويحضر غيرهم استظهاراً على صدْقهم، فيسألهم عن البيع والشراء والأسعار، ويسعِّر بما فيه رضاهم ورضى العامَّة، حتى لا يضرَّ الفريقيْن.

ممّا ورد في ذلك عن الإمام أحمد:

 - ويذكر ابن قدامة الحنبلي: أنَّ الإمام أحمد جوَّز تخصيص بعض الأدلة في الهبة، لمعنىً يقتضي ذلك، مثلَ: زيادة الحاجة، أو لزمانةٍ، أو عمىً، أو اشتغال بطلب العلْم،  مع  ورود النَّهي عن التفضيل من غير تفصيل، فقال النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- في حديث النُّعمان بن بشير: ((اتَّقوا الله واعدلوا بين أبنائكم))؛ بل إنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- رفض الشَّهادة على هذه العطيَّة في الحديث المذكور، رواه الشَّيخان وغيرهما...

- كما نقل ابن قدامة عن الإمام أيضاً: قولَه بجواز إجارة الفحل من البقر ونحوه، لتلقيح إناثه، لأنَّ الحاجة تدعو إليه، مع أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ذلك، أي: عن عسب الفحل،  أي: ماء الفحل، أي:  أخذ الأجرة عليه.

ممَّا ورد في ذلك عن الإمام الشافعي:

- وأمَّا الإمام الشافعي، فقد رجع هو نفسه عن كثير من أحكامه، لا لظهور خطئها، ولكن عدولاً إلى ما يتناسب مع عرفٍ طارئ أو عادة محكَّمة؛ ولذا فإنَّ مذهبه الجديد أساسُ المغايرة فيه: تأثُّرُه بما شاهد في مصر من تغيُّرٍ في الظُّروف والأحوال عمَّا كان عليه الحال في العراق.

أثر الأوضاع التنظيمية على تغيُّر الأحكام الفقهية الاجتهادية:

على أنَّ تغيُّر الزَّمان المقتضي لتغيُّر بعض الأحكام، قد يكون ناشئاً عن فساد الأخلاق وضعف الوازع الدِّينيِّ، ممَّا يُسمّيه الفقهاء بفساد الزَّمان، وقد يكون ناشئاً عن حدوث أوضاع تنظيميَّة اقتضتْها أساليبُ الحياة. ومن هذا:

- قَصر إعطاء الأمان على الوالي، مع أنه كان  يباح للأفراد إعطاؤه.

- وجوب تدوين السُّنَّة والعلوم، بعد أن كان ذلك مباحاً؛ بل ورَد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- النَّهيُ عن تدوين السُّنّة. وامتنع الخلفاء والصحابة لفترة طويلة عن جمعها وتدوينها، وإن كان التحقيق -على ما نراه-: أنَّ النهي كان خاصَّاً بكُتَّاب الوحي في عصر نزول القرآن،  حتى لا يختلط الأمر عليهم، أو حتَّى لا يلتبس القرآن بالسُّنّة، فكلاهما وحدة.

- ومن ذلك في عصرنا: الاكتفاء  في بيان العقار المبيع بذكْر رقم العقار ومساحته، مع أنَّه كان لا بدَّ من ذكْر الحدود. وكذا فإنَّ الاجتهاد القضائي استقرَّ على اعتبار تسليم العقار المبيع حاصلاً بمجرد تسجيل العقد، فينقل ضمان هلاك المبيع من عهدة البائع إلى عهدة المشتري من تاريخ التسجيل، مع أنّ التسليم كان قديماً لا بدَّ فيه من التَّسليم الفعليِّ أو التَّمكين منه، ولا ينتقل ضمان الهلاك إلاّ بهذا.

فحدوث هذه الأوضاع التنظيميَّة يقتضي -ولا شكَّ- أن يتبدَّل الحُكم الفقهيُّ الاجتهاديُّ عمَّا كان عليه من قبْل. يقول ابن عابدين  في رسالة "نشر العَرف": "كثيرٌ من الأحكام تختلف باختلاف الزَّمان، لتغيُّر عُرف أهله، أو لحدوث ضرورة، أو لفساد أهل الزمان". هذا الكلام نقلاً أيضاً عن الدكتور سلام مدكور في كتاب "المدخل".

 لكن ما هي الأحكام التي تتبدَّل بتغيُّر الزَّمان؟

يجب أن نقرّر في البداية: أنَّ الأحكام التعبدية وما يُلحق بها من المقدّرات الشرعية لا تقبل التبديل مطلقاً، مهما تبدَّل المكان وتعاقب الزَّمان. وأمَّا ما عداها من الأحكام المتعلِّقة بمعاملات النَّاس وأمور دنياهم، فإنَّ ما ثبت منها بدليل واضح من الكتاب أو السُّنَّة الصَّحيحة، فإنَّ كثرة الفقهاء الأئمَّة يُصرِّحون بالوقوف عندها والالتزام بها كما هي.