المطلب الثاني: تغيُّر الأحكام تبعاً لتغيُّر المصلحة أو العرف.

نحمد الله ربَّ العالمين، ونصلِّي ونسلِّم على خاتم النبيِّين والمرسلين ورحمة الله للخلائق أجمعين، سيدنا محمد النبي العربي الأمين. ورضي الله عن أصحابه والتابعين، ومن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين. ونسأل الله تعالى أن يجمعنا وإيَّاهم في علِّيِّين، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم.

 سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. وبعد:

تمهيد:

 نلتقي اليوم مع المطلب الثاني والأخير من الكلام عن المصلحة المرسلة، بعد أن انتهينا في المحاضرة السابقة من المطلب الأول بعناصره الأربعة.

 أما عناصر محاضرة اليوم، والتي تشكِّل المطلب الثاني فهي:

1- المقصود بالتَّغيُّر أو التَّغيير.

 2- مراعاة هذا  التَّغيُّر هو مسلك الشارع الحكيم، منذ نزول القرآن  الكريم بالنسخ أو بالتّدرّج في تشريع بعض الأحكام.

3- عن أثر العرف في مسألة تغير الحُكم هذه.

المقصود بالتَّغيُّر أو التَّغيير، وفي أيِّ  الأحكام الشرعيَّة يكون أو يتحقَّق؟

والآن، البداية مع العنصر الأول، لكنِّي أحبُّ قبل أن أبدأ في تفصيل هذه المحاور أو هذه العناصر الثلاثة عن تغيُّر الأحكام تبعاً لتغيُّر المصلحة أو العرف، أُحب أن أحدِّد بوضوح الأفكار أو العناصر الأساسية في هذا المطلب.

الفكرة الأولى: المقصود بالتَّغيُّر أو التَّغيير، وفي أيِّ  الأحكام الشرعيَّة يكون أو يتحقَّق؟

واعلموا أنَّني استخدمت كلمتَي: "التَّغيُّر" و"التغيير"، مع أنَّني أعرف أنَّ أهل العلم باللغة العربية وأوزانها واستعمالاتها، يُفرِّقون بين وزن "تفعُّل" و"تفعيل" من جهة:

 أنَّ الأول يدلُّ على التَّفعُّل التِّلقائيِّ، أو الذَّاتي، أو الطَّبيعي، أو الدَّاخليِّ.

أمَّا الثاني، فيكون بناءً على تدخُّلٍ من الإنسان أو من غيره...

 أي: أنَّ حدوث التغيير في الأوّل يكون من داخله، أمّا في الثاني فيحدث أو فيطرأ عليه من خارجه. ولعلَّ هذا يتّضح لكم من تدبّر دلالات الألفاظ الآتية: "تطوُّر" و"تطوير"، و"تبدُّل" أو "تغيُّر" أي: من تلقاء نفسه، و"تبديل" أو "تغيير" أي: بفعل الغير. ومثله: "تحكُّم" و"تحكيم"، "تفسُّخ" و"تفسيخ"، "تبصُّر" و"تبصير"، "تدبُّر" و"تدبير"، وهكذا...

وهذه الحقيقة اللُّغويَّة أو الدلاليَّة ليست مقصورةً على علماء اللغة، وإنَّما يفهمها الفقهاء والأصوليُّون أيضاً -أعني: أنَّهم جميعاً يعرفون تلك التفرقة اللُّغويَّة والدلالية في الأساليب العربية-؛ وهذا طبعاً من أوّل شروط الاجتهاد عندهم؛ ولذلك نجِدهم يتكلمون مثلاً عن عوارض الأهليَّة الطبيعيَّة والمكتسبة، وعن ذهاب المحلِّ أي: محلِّ الحُكم مكاناً أو زمناً أو تكليفاً، وأثره في الحُكم الشرعي، ممَّا لا يتّسع المجال لتفصيل شيءٍ من ذلك، أو حتى الإشارة إليه، فوق أنه ليس من مقتضيات دراستنا في السياسة الشرعية من الناحية التأصيليَّة أو النظريَّة على الأقل، وإن كان لها بعضُ تعلُّق أو على نحو ما بالجانب التطبيقي للأهلية وعوارضها على سبيل المثال.

الفكرة الثانية: الشارع الحكيم هو الذي رسم خطّة التَّغيير في بعض الأحكام: العنصر الثاني، أو الفكرة الثانية في هذا المطلب أو في محاضرة اليوم، تتمثَّل في: أنَّ الشارع الحكيم منذ نزول القرآن  هو الذي رسم لنا خطّة التَّغيير في بعض الأحكام، بالتَّدرُّج والنَّسخ أحياناً، ربَّما مراعاةً لمصالح الناس وتيسيراً عليهم، أو لحكمةٍ يعلمها اللطيف الخبير.

 وفي السُّنّة المطهّرة وفتاوى كبار الصَّحابة والتَّابعين وأئمَّة الفقه الإسلامي ما يؤكِّد هذه الحقيقة العظيمة، التي تدلّ بيقين الواثق من دينه المتمسِّك بعقيدته وشريعته على: أنَّ هذه الشريعة الغرَّاء بأحكامها ومقاصدها صالحةٌ لكل زمان ومكان؛ كلُّ ما هنالك أنَّ على المسلم الواعي أن يتدبَّرَ، أو يُمعن الفكر، أو يبحث عن بعض الحِكم والأسرار في النُّصوص الشرعية، وسوف يشرح الله صدره بشيءٍ من ذلك، مادامت النية خالصةً والسريرة طيِّبة.

الفكرة الثالثة: أثَر العرف في  تغيُّر الفتوى: أمّا الفكرة الثالثة فعن أثر العرف في هذه المسألة، بمعنى: هل يمكن تغيُّر الفتوى بتغيُّر أعراف الناس وعوائدهم فقط، أم أنَّ ذلك  التَّغيُّر مرتبطٌ أوَّلاً وآخراً بالمصلحة.

 وعموماً، تعالوا بنا لنفصِّل الكلام في هذا المطلب بعناصره أو أفكاره السابقة، ونسأل الله -عز وجل- أن يشرح صدورنا، ويفتح علينا بما يُحبُّ ويرضى، و بما نحن أهل له:

الفكرة الأولى:

المقصود بالتَّغيُّر أو التَّغيير، وفي أيِّ  الأحكام الشرعيَّة يكون أو يتحقَّق؟

أولاً: المقصود بالتَّبديل هنا: الانتقال من حكمٍ غير تعبُّديٍّ ولا من المقدَّرات الشَّرعيَّة كان معمولاً به، إلى حُكم آخَر مغاير له، يُحقِّق مصلحةًً طارئةًً تقتضي القولَ به والعدول إليه.

أمَّا الأحكام التعبدية وما أُلحق بها، فإنَّ الفقهاء مُجمِعون على: أنَّها لا تقبلُ تبديلاً ولا تغييراً بحال من الأحوال، لأنَّها أحكامٌ توقيفيَّة، حتى مع ذكْر حكمة مشروعيَّتها. وهي تختلف مع أحكام المعاملات ونحوها، ممَّا هو مبنيٌّ على مصالح العباد وحاجاتهم؛ فإنَّ الأحكام بالنسبة لها مرتبطة بالمعاني والآثار التي انْبَنَتْ عليها، ولذا جاءت النصوص فيها مجملةً وعامة في حدود القواعد الكلية، فكانت خاضعةً للمصالح ومرتبطةً بها. ولهذا ذهب فريق من الفقهاء إلى جواز تبديل أحكامها، وإن وُجدت نصوص مخالفةٌ لها، أو وُجد إجماع يختلف في الظاهر مع هذا، لأنَّ الحُكم فيها يدور مع العلَّة والمقصد وجوداً وعدماً؛ فأفتََوا ببعض أحكام تخالف منطوق النَّصِّ. على أنَّ جمهور الفقهاء يخصُّون التبديل بالأحكام التي لم يَرِد فيها نصٌّ ولا إجماع صحيح؛ وهذا ما نؤيِّده في الجملة، سدَّاً لباب التلاعب وتحكيم الهوى والغرض.

 وإليكم مايؤيِّد القول في التبديل بصفة عامة عند اقتضاء المصلحة له، ممَّا أورده مَن فهموا روح الشَّريعة ومراميها من الفقهاء والباحثين.

من أقوال العلماء التي تؤكِّد القول بتبديل الأحكام عند اقتضاء المصلحة له:

 

يقول ابن القيم مثلاً: "إنَّ تغيّر الفتوى بحسب الأمكنة والأحوال والنِّيَّات والعوائد، معنىً عظيمُ النَّفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلطٌ عظيم على الشَّريعة، أوجب من الحرج والمشقَّة ما يفيد أنَّ هذه الشريعة لا يُعقل أن تأتيَ به".

وهذا النقل يؤيِّد ما نقوله من أنَّه لا بدَّ من تبديل الأحكام الفقهية على حسب المصلحة، حتى لا يكون هناك انفصالٌ بين الأحكام وشؤون الناس ومصالحهم؛ فإنَّ ذلك الانفصال لا يتَّفق مع العقيدة الإسلاميَّة التي هي معلومة من الدِّين بالضرورة، من أنَّ الشريعة صالحةٌ لكل زمان ومكان، فكان لا بدَّ أن تسايرَ شؤون الناس ومصالحهم؛ وما دام ذلك متَّفِقاً مع روح الشَّريعة ومسايراً لِما يفهمه الائمَّة والفقهاء من اتِّجاهاتها التي أساسُها تحقيقُ اليسر على الناس، ورفْع الحرج عنهم؛ وذلك لا يتحقَّق إذا التزم القول بحُكم كان مبنيَّاً على معنى من المعاني، ثم تغيَّر ذلك المعنى وحدَث معنىً يقتضي خلافَه من الأحكام.

وينقل الزَّيلعي الحنفي عن  فقهاء بلخ: أنَّ الأحكام قد تختلف باختلاف الأزمان.

 ويقول القرافي المالكي أيضاً: "إنَّ الجمود على المنقولات أبداً ضلالٌ في الدين، وجهْل بمقاصد علماء المسلمين والسلف".

هذا الكلام نقلاً عن الدكتور محمد سلام، مذكور في كتابه "المدخل للفقه الإسلاميِّ".