خاتمة حول موقف فقهاء هذا العصر من المصلحة المرسَلة.

أُحبّ أن أنهي كلامي عن موقف الأئمَّة من المصلحة المرسلة، وبعض الأمثلة الفقهية والقانونية لأحكام مبنيَّة عليها، أُحبُّ أن أشير إلى موقف فقهاء العصر منها، وحاجة الناس في عصرنا إليها. وهذا ما يمثِّل خاتمة العنصر الرابع والأخير في هذا المطلب.

أوّلاً: موقف فقهاء العصر من المصلحة المرسَلة:

 وعلى حدِّ قول الدكتور القرضاوي في كتابه "السياسة الشرعية": "لم أر أحداً يُعتدُّ به من فقهاء عصرنا، إلا اعتدَّ بالمصلحة المرسلة، واعتبرها من أدلَّة الشرع فيما لا نصَّ فيه، بشروطها الشَّرعيَّة وضوابطها المرعيَّة. قال ذلك الشيخ الخضري، والشيخ أحمد إبراهيم، فيما كتباه في "أصول الفقه"، والأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي في كتابه "بحوث في التشريع الإسلامي".

وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابه "مصادر التَّشريع فيما لا نصَّ فيه" عندما تحدَّث عن "الاستصلاح": "وهو أخصب الطرق التَّشريعيَّة فيما لا نصَّ فيه، وفيه المتَّسعُ لمسايرة التشريع لتطوّرات الناس وتحقيق مصالحهم وحاجاتهم".

وكذلك قال الشيخ أبو زهرة في كتابه عن مالك، وفي كتابه "أصول الفقه"، والشيخ  الأكبر محمود شلتوت في كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة" وفي "فتاويه"، والشيخ محمد مصطفى شلبي في كتابه "تعليل الأحكام"، ومثل ذلك الشيخ مصطفى الزرقا في كتابه  "المدخل الفقهي العام" وفي رسالة عن المصلحة المرسلة، والدكتور مصطفى زيد في رسالة عن "المصلحة في التشريع الإسلامي"، والدكتور حسين حامد حسان في رسالته "نظرية المصلحة في الفقه الإسلامي"، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في رسالته "ضوابط المصلحة في الشرع الإسلامي"، وكثيرون من المعاصرين ممَّن كتبوا في أصول الفقه مثل: الدكتور عبد الكريم زيدان، والدكتور وهبه الزّحيلي.

ثانياً: حاجة الناس في عصرنا إلى فقْه المصلحة الشرعية:

 أمَّا عن حاجة الناس في عصرنا، فيقول: "ممَّا دعا هؤلاء العلماء إلى القول بالمصلحة المرسلة هو: ما لمسوه من حاجة الناس في عصرنا إلى اعتبار المصالح في التَّشريع وفي الفتوى وفي القضاء، إلى جوار ما وجدوه من أدلة عامة في النصوص والقواعد والمقاصد الشرعية تؤيِّد الأخذ بالمصالح. ومن أجل هذا ضمَّت القوانين الحديثة أحكاماً شتَّى كثيرة، مناطُها المصلحة ولاشيء غيرها، مثل: اشتراط توثيق عقد الزواج -كما ذكرناه- بالجهة الرسمية وإلاّ لم تسمع المحاكم دعواه، وكذلك توثيق عقود الملكية في دوائر الشهر العقاري أو التسجيل العقاري، وكذلك قوانين البناء حيث تشترط إذْن البلدية أو الحيّ أو المحليات أو غيرها. ومثل ذلك: اشتراط الحصول على رخصة قيادة من إدارة المرور لِمَن يسوق سيارة أو مَركبة بخارية ونحوها، وكذلك من يزاول مهنة كالطب والهندسة والصيدلة والمحاماة  وغيرها، لا بدَّ لهم من ترخيص، بعد توافر الشروط المطلوبة في مزاولة المهنة.

 وهناك قوانين كثيرة تكاد تكون مبنيَّة على المصلحة، مثل: قانون السيْر أو المرور، وكذلك قانون العمل والعمال. وحتى القوانين التي لها صلة بالشرع، فيها موادّ غزيرة ووفيرة مربوطة بالمصلحة، مثل: قانون تنظيم استعمال المخدّرات صناعةًً وتجارةً واستعمالاً.

ولعلَّ من أهمِّ ما نحتاج إليه في عصرنا: تقنينَ العقوبات التعزيرية، مثل: عقوبة أكل الربا، أو بيْع الميتة، أو لحم الخنزير، أو أخذ الرشوة أو إعطائها، أو أكل مال اليتيم، أو الغش والاحتكار، أو منع الزكاة، أو ترك الصلاة، أو المجاهرة بالفطر في رمضان، أو معاكسة النساء والفتيات في الطريق العام، أو خطفهنَّ واغتصابهنَّ، أو الاتِّجار في الأغذية الفاسدة والملوَّثة، إلى غير ذلك من الآفات والرذائل التي تنتشر في المجتمع، ولا تجد الرَّدع الكافي، ويُكتفَى فيها بالوعظ والإرشاد مع ما عُلم من أن الله يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن.

 وهناك مئاتٌ من المعاصي والمخالفات والمنكَرات التي نَهى عنها الشَّرع أو أمَر بضدِّها، ولكنَّه لم يضع لها عقاباً محدّداً، ومن ثمَّ تحتاج في رأينا إلى تقنين في ضوء ما قرَّرناه بخصوص المصلحة؛ بل إنِّي أرى أنَّ من حاجات عصرنا ومصالِحه أن نقنِّن الفقه الإسلامي في صورة موادّ مرقَّمة ومنضبطة على غرار القوانين الحديثة، وهو ما أخذت به الدولة العثمانية في عهودها الأخيرة، حين قنّنت فقه المعاملات على المذهب الحنفي أو بعبارة أدقَّ: على المُفتَى به في المذهب غالباً، وذلك ما تضمّنتْه "مجلة الأحكام العدلية" الشهيرة، والتي ظلّت أحكامها سارية في بعض البلدان العربية مثل: الأردن والكويت إلى وقت قريب. إلا أنَّني أنصح ألاّ يكون التقنين في عصرنا ملتزماً بمذهب واحد، بل بالشريعة الرحبة بمجموع مدارسها ومذاهبها، بل يُستفاد من كل الثَّروة الفقهيَّة، ولو من خارج المذاهب المشهورة أو المعروفة لنا، كفقه الصحابة والتَّابعين ومَن بعدهم من نظراء الأئمة وشيوخهم، ومن انقرضت مذاهبهم.

 فلا ينبغي أن نُضيِّق على أنفسنا بالتزام مذهب واحد، وقد وسَّع الله علينا؛ وكلّهم يُؤخَذ من قوله ويُردُّ إلاّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-. وكلُّهم أيضاً من رسول الله ملتمسٌ. وكلهم كانوا يقولون: "كلامنا صواب يحتمل الخطأ، وكلام غيرنا خطأ يحتمل الصواب"، أو نحو هذا.

 كما أنِّي انصح بمراجعة التَّقنينات التي نصدرها على ضوء التطبيق الفعلي ما بين فترة وأخرى، لنحذف ما ينبغي حذفُه ونضيف ما ينبغي إضافتُه، ونُعدِّل ما ينبغي تعديله. ومِن ذلك: ما ذكرناه -والكلام للدكتور القرضاوي- من تقنين التَّعزيرات أو العقوبات التَّعزيريَّة التي ترَكها الشرع لتقدير الأئمة والقضاة في كل مخالفة شرعية أو معصية لا حدَّ فيها ولا كفَّارة؛ وذلك حتى لا تُترك لهوى أيٍّ منهم، وإنما نضع لها ضوابط في ظلِّ أغراض تطبيق العقوبات في الشَّريعة الإسلاميَّة.

 هذا، وما يختاره الإمام أو وليُّ الأمر من التَّقنين يُعتبر رأياً له يُعمل به بشرطه، حيث لا يُعمل برأي وليِّ الأمْر لِمجرّد أنه رأي وليِّ الأمر؛ تلك هي المجالات الثلاثة التي يُعمل فيها برأي وليِّ الأمر، وهي:

 - ما لا نصَّ فيه.

 - ما يحتمل عدَّة أوجُه.

 - المصالح المرسَلة.

 ومفهوم هذا: أنَّ ما عدا هذه الثلاثة لا يؤخذ فيها برأيه؛ إذ تكون ممّا فصّلت فيه نصوص الشرع من الكتاب والسّنّة، أمراً أو نهياً. فالأوامر تُمتثل والنواهي تُجتنب، ولا يجوز لوليِّ الأمر أن  ينفي ما أثبته الشرع أو يُثبت ما نفاه، أو يلغي فرضاً فرضَه الله على عباده، أو يُحلَّ حراماً حرّمه الله عليهم، أو يُحرِّم عليهم ما أحلَّه الله لهم، أو يشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله -سبحانه وتعالى-؛ فليسَ صنيعُ شيء من هذا كله من شأنه ولا هو من حقِّه. وهو لو فعل ذلك كان متعدِّياً على حق الله تعالى وسلطانه، متألِّها في الأرض بغير حقٍّ؛ ومن حقِّ الناس في هذه الحال، بل من واجبهم: أن يرفضوا طاعته التي أمَر الله تعالى بها في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}.

فإنّ الطاعة الواجبة لأولي الأمر إنما هي في المعروف الذي تعرفه الفِطَر السليمة والعقول الرشيدة، ممّا جاء به الشرع وأيّده العقل. وليست طاعة وليّ الأمر مطْلَقة؛ حتى إنَّ الله تعالى قيَّد الطاعة لرسوله بالمعروف أيضاً، حين قال في بيعة النساء له: {ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}، وقال -عليه الصَّلاة والسلام- لأصحابه -رضي الله عنهم-: ((إنَّما الطاعة في المعروف)) وهذا حديث متَّفقٌ عليه. وقال أيضاً: ((حقٌّ على المرء المسلم: السمعُ والطاعة فيما أحبَّ وكَرِه، ما لم يُؤمَر بمعصية؛ فإذا أُمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) متّفق عليه عن ابن عمر. وقد اتفق المسلمون على: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والقرآن الكريم حين أمر المؤمنين بطاعة أولي الأمر منهم، عقَّب على ذلك قائلاً: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}.

والرَّدُّ إلى الله يعني: الرَّدَّ إلى كتابه، والرَّدُّ إلى الرسول بعد وفاته يعني: الرّدّ إلى سُنّته. فليس وليُّ الأمر المسلم طليقَ العنان، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يُسأل عمَّا يفعل؛ هذا شأنُ الإله وحده. إنما هو بشر يُحاسَب، ويُسأل، ويُنصَح، ويُوَجَّه. ومن حق أيِّ فرد من رعيَّته: أن ينصح له ويأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر. ومن واجبه: أن يقبل منه ويشجّعه، كما قال عمر لِمن قال له: "اتّق الله!": "لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعْها".

وهكذا نصل إلى نهاية هذا المطلب بعناصره الأربعة. وحتى نلتقي مع المطلب الثاني في الكلام عن المصالح المرسلة، نستودعكم الله، دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.