أمثلة لأحكام فقهيَّة وقانونيَّة مبنيّة على المصلحة المرسَلة.

وهنا نلتقي مع عنصر مهم جداً في هذا المحور، هو العنصر الثاني المتعلِّق ببعض الأمثلة الفقهيَّة والقانونيَّة لأحكام مبنيَّة أو قائمة على هذه المصلحة المرسلة. أذكر منها:

أوّلاً: أمثلة فقهية:

1- فرْضُ الضرائب على الناس، إذا لم يكن في بيت المال ما يكفي للمصالح العامة.

2- ضربُ المتَّهم الذي اعتاد السَّرقة، حملاً له على الإقرار وإظهار المسروق، في مذهب مالك.

3- الحُكم بطلاق امرأة المفقود بعد مُضيِّ أربع سنوات من تاريخ فقْده، وبعد التَّحرِّي عنه بكل السُّبل المتاحة، رعايةً لمصلحة الزوجة ورفعاً للضَّرر عنها، ولا سيَّما إذا رفعت أمْرَها إلى القاضي.

4- قَبول شهادة الصبيان بعضِهم على بعض، في الحوادث التي لا يحضرها غيرُهم.

ثانياً: أمثلة قانونية:

 هذا وقد صدرت بعض التشريعات في مصر -على سبيل المثال- بناء على ما فيها من مصلحة، ومن ذلك:

 1- أنّ عقد الزواج الذي لا يثبت بورقة رسميَّة لا تُسمع الدعوى به عند الإنكار.

2- أنّ عقد البيع الذي لا يسجّل في الشهر العقاري، أو الجهات المختصّة بالتسجيل والتوثيق، كالمحاكم الشرعية وما في حُكمِها، لا ينقل الملكية، ولا يثبت حقَّ القانونية.

وكانت المصلحة في كل ذلك: قطعَ السبيل على الادِّعاءات الباطلة والتَّحايل والتَّزوير في العقود، بما في ذلك عقد الزواج وعقود المعاوضات الأخرى...

3- إيجاب زراعة نسبة من الأراضي لبعض المحاصيل الزراعية، في أيَّام الحروب والأزمات الاقتصاديَّة، حتى تتوفّر حاجة الناس إلى الطعام.

ومن هذا القبيل أيضاً: تقييدُ المباح، كتلك القوانين التي تحافظ على البيئة، بمنع اصطياد أنواع معيّنة من الحيوانات والطيور حتى لا تنقرض وينقطع نسلُها، أو اصطياد صغار السمك أو السمك الكبير بالسُّمِّ والديناميت وما في هذا المعنى، ممَّا يحمل خطراً على الإنسان وعلى البيئة.

4- وضع قواعد خاصة للمرور في الطرقات العامة؛ وذلك رغبةً من المشرِّع في تحقيق المصالح التي تترتَّب على هذه التَّشريعات، وكلُّها تكون تشريعات إسلامية، ويكون الحُكم الوارد فيها هو حُكم الله؛ بحيث يترتب الثواب الأخروي على امتثالها والعقاب الأخروي على مخالفتها، فضلاً عن العقوبة الدنيوية المقرَّرة قانوناً أو عرفاً، مادامت تعتمد على مصلحة حقيقيَّة.

وينبغي أن نُشير هنا إلى حقيقةٍ هامة، وهي: أنَّ الأحكام المبنيَّة على مصلحة معيَّنة تظلُّ معتبرةً ما بقيتْ هذه المصلحة التي هي مناط الحُكم وعلَّته، فإذا انتقلتْ وجب أن يتغيَّر الحكمُ تبعاً لها، لأنَّ الحُكم يدور مع علَّته وجوداً وعدماً.

وهذه الجزئيَّة هي موضوع المطلب الثاني في كلامنا عن المصلحة بصفة عامّة، والمصلحة المرسلة بصفة خاصة.