موقف الأئمَّة من المصلحة المرسلة.

ننتقل إلى عنصر آخَر في هذه المحاضرة، وهو: موقف الأئمَّة من المصلحة المرسلة:

فجمهور الفقهاء متَّفقون على: أنَّ المصلحة أساسٌ صالح لتَشريع الأحكام الفقهيَّة، غير أنَّ:

- جمهور الحنفيَّة والشافعيَّة: يشترطون في المصلحة: أن تكون داخلةً تحتَ القياس؛ بحيث يوجد أصلٌ معيَّن يُقاسُ عليه، وتُوجد فيه علَّة منضبطة يكون في ربط الحكم بها مَظِنَّة تحقيق المصلحة. ويزداد توسُّع الحنفية عن الشافعية في هذا المجال لاعتمادهم على الاستحسان الذي يستند في بعض الأحيان إلى المصلحة كما سيأتي.

- أما المالكيَّة والحنابلة: فإنَّهم يَبنون الأحكام على مجرَّد المصلحة، دون أن يتكلَّفوا إدخالها في القياس، ومن غير أن يبحثوا عن أصلٍ معيَّن يقيسون عليه؛ ولهذا اشتهر على لسان العلماء: أنّ الاحتجاج بالمصلحة المرسلة هو مذهبُ المالكيَّة والحنابلة، دون الحنفيَّة والشافعيَّة.

والحقُّ في ذلك -فيما نرى-:

أنَّ المذاهب الأربعة تعتدُّ بما يُسمَّى: "مصلحةً مرسلة"، غيرَ أنَّ: - جمهور الحنفيَّة والشافعيَّة يُحاولون إدخالََها في القياس، ويتشدَّدون في ذلك، ضبطاً للأحكام واحتياطاً في أمر التَّشريع.

- أمَّا المالكيَّة والحنابلة، فإنَّهم يجعلونها دليلاً مستقلاً بعنوان: المصلحة المرسلة، أو بعنوان: الاستصلاح، أو بعنوان: الاستدلال، ويضعون الشُّروط للتَّشريع على أساسها.

 

فما مجال العمل بالمصلحة المرسلة؟

أقول: يقتصر العمل بالمصلحة المرسلة عند المحتجِّين بها على المعاملات، لأنَّ المصلحة فيها يمكنُ إدراكُها ومعرفتها، ولا تتجاوزُها للعبادات:

-لأنَّها تنظيماتٌ لعلاقة الإنسان بربِّه، فيُقتصرُ فيها على ما ورَدَت به النُّصوص؛ ومن ثَمََّ لا يصحُّ إنشاءُ عبادة لم يأتِ بها نصٌّ، بدعوى أنَّ فيها مصلحةً.

- ولأنَّ فتحَ باب التَّشريع بالمصلحة في نطاق العبادات يؤدّي إلى تغيُّر شعائر الدِّين، وتعدُّدها، والابتداع فيها، والتَّلاعب بها؛ وقد جعلها الله شعائر واحدةً تعمُّ النَّاس جميعاً على مرِّ الأزمان والعصور.

وماذا عن تعارض المصالح واختلاطها بالمفاسد؟

أقول أيضاً: - لا تكاد تخلو المصالح من مفاسد تختلط بها، كما لا تخلو المفاسد في أغلب الأحوال  من مصالح تتصل بها.

- كما أنَّ المصالح تتفاوت قوَّةً وضعفاً بحسب حاجة الناس إليها.

- وتتفاوت المفاسد قوةً وضعفاً بحسب تضرُّر الناس منها.

ولهذا كان المعوَّل عليه دائماً هو: جلبُ أرجح المصالح، ومنعُ أكبر المفاسد