عنوان المحاضرة: تابع المصدر الرَّابع للسِّياسة الشَّرعيَّة: المصلحة المرسلة.

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلاةً وسلاماً دائميْن متلازميْن، على الهادي البشير، والسِّراج المنير، صلوات ربِّي وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين. ورضي الله عن أصحابه الغرِّ الميامين، وعن أتباعه ومَن تبِعهم جميعاً، وعنَّا معهم بفضله وكرمِه؛ فهو أرحم الرَّاحمين.

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد.

تابع المحور الثالث: أدلَّة الاحتجاج بالمصلحة المرسَلة، وأدلَّة المانعين لها.

ويبدو لِمن يتأمَّل في كلام الغزالي: أنَّه لم يشترط هذه الشروط لكلِّ مصلحةٍ، ولكنَّه اشترطها في المثال الذي ذكَره وهو: تترُّس الأعداء بالمسلمين في الحرب، وإن فهم الأكثرون منه أنَّه شرط عامٌّ لكل المصالح، حتى قال القرطبيُّ: "هي بهذه القيود لا ينبغي أن يُختلف في اعتبارها". وأمّا ابن المنيِّر، فعدَّ ذلك تحكُّماً من قائله.

شروط المصلحة استناداً إلى عمل الصحابة -رضي الله عنهم-:

والذي يظهر من عمل الصَّحابة -رضي الله عنهم-: أنَّهم لم يكونوا يلتزمون هذه الشُّروط كلَّها، وإنَّما يراعون المصلحة، وإن كانت جزئيَّة أو حاجيَّة أو ظنيَّة.

 لاحظوا، هو يقول: ضرورية، كلّية، قطعية. ونحن نقول: إنَّ الصحابة كانوا يراعون المصلحة، وإن كانت جزئيَّة أو حاجيَّة أو ظنيَّة.

 - فهذا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحكم بطلاق امرأة المفقود، بعد مضيّ أربع سنوات، إمَّا من حين فقْده، وإمَّا من حين رفْع أمرها إلى القضاء، رعايةً لمصلحة الزوجة، ورفعاً للضَّرر عنها، وإن لم يثبت موتُ زوجها؛ وهي مصلحة جزئيَّة وحاجيَّة وظنيَّة. وقد وافق عمرَ على ذلك: عثمانُ، وعليٌّ، وابن عمر، وابن عباس، وجماعة من التَّابعين...

- ويقضي عمرُ على محمد بن مَسلمة الأنصاري بالسَّماح لجاره الضَّحَّاك بن خليفة أن يسوق نهراً في أرض ابن مسلمة، لأنَّ النهر ينفع جاره ولا يضرُّ محمَّداً. وقد كان محمد بن مسلمة منع جاره من ذلك، فقال له جاره الضحاك: أنت تمنعني ما هو لك منفعة، تسقي منه أوّلاً وآخِراً ولا يضرُّك. ولكنَّه أبى. ولمَّا اختصما إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، قال عمر لمحمد: "تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرًّك؟". فأصرَّ محمد على المنع. فقال له عمر: "واللهِ ليمُرَّنَّ به ولو على بطنك". ثم أمر عمر الضحاك أن يمرَّ بنهره في أرض محمد، ففعل. وهذه واقعة مشهورة في فقه عمر واجتهاده.

 والأمثلة كثيرة على هذا الاتجاه من عمَل الصحابة والراشدين، أذكر منها على سبيل المثال أيضاً:

 - ما روي: أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أُُتي بامرأة زنت، فأقرَّتْ، فأمَر برجمها. فقال عليٌّ -رضي الله عنه-: لعلَّ بها عُذراً. ثمَّ قال لها: ما حمَلك على الزِّنى؟ فقالت: كان لي خليطٌ -أي: شريك-، وفي إبله ماءٌ ولبن، ولم يكن في إبلي ماء ولا لبن. فظمئت، فاستسقيتُه فأبى أن يسقيني حتى أعطيَه نفسي، فأبيت عليه ثلاثاً. فلمَّا ظمئتُ وظننتُ أنّ نفسي ستخرج، أعطيته الذي أراد فسقاني. فقال عليٌّ: "الله أكبر! {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}".

- كما قضى أميرُ المؤمنين عليٌّ -رضي الله عنه- أيضاً في رجُل قطَع فرْجَ امرأة: أن يُؤخذ منه دية الفرج، ويُجبر على إمساكها حتى يموت، وإن طلَّقها أنفق عليها. يقول ابن القيم: "فللَّه، ما أحسن هذا القضاء، وأقربَه من الصواب! فأمَّا الفرج ففيه الدِّية كاملةً اتفاقاً، وأمَّا إنفاقه عليها إن طلّقها، فلأنَّه أفسدها على الأزواج الَّذين يقومون بنفقتها ومصالحها فساداً لا يُعوَّض. وأمَّا إجباره على إمساكها فمعاقبةٌ له بنقيض قصْده، فإنه قصد التخلص منها بأمر محرَّم، وقد كان يمكنه التخلص بالطلاق والخلع، فعدل عن ذلك إلى هذه المسألة القبيحة؛ فكان جزاؤه أن يُلزَم بإمساكها إلى الموت".

وقد نأتي بأمثلة أخرى من فقْه الصحابة والخلفاء الراشدين في العمل بالمصلحة، وإن كانت جزئيَّة أي: ليست كلِّيَّة أو عامة، وإن كانت أيضاً ظنَّيَّة أو ليست قطعيَّة.

شروط المصلحة عند الإمام الشاطبي:

 ولهذا لم يشترط الإمام الشاطبي مثلاً ما اشترطه الإمام الغزالي؛ وإنما اعتبر أموراً ثلاثة يجب مراعاتُها عند الأخذ بالمصلحة، وهي:

 1- أن تكون معقولةًً في ذاتها، بحيث إذا عُرضت على العقول تلقَّتْها بالقبول. فلا مدخل لها في الأمور التعبدية؛ فإنَّ الأصل فيها: أن تؤخذ بالتسليم.

2- أن تكون ملائمةً لمقاصد الشرع في الجملة، بحيث لا تُنافي أصلاً من أصوله ولا دليلاً من أدلّته القطعية؛ بل تكون متَّفقةًً مع المصالح التي قصد الشرع إلى تحصيلها، بأن تكونَ من جنسها أو قريبةًً منها، ليست غريبةً عنها، وإن لم يشهد دليلٌ خاصٌّ باعتبارها.

 3- أن ترجع إلى حفظ أمرٍ ضروريٍّ، أو رفعِ حرجٍٍ لازم في الدِّين. فأمَّا مرجعها إلى حفظ الضَّروريِّ، فهو من باب ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به؛ هي إذاً من الوسائل إلى المقاصد. وأمَّا رجوعها إلى رفع حرج لازم، فهو إمَّا لاحق بالضروري، وإمَّا من الحاجيِّ الذي مردُّه إلى التَّخفيف والتَّيسير.

تعقيب على شروط المصلحة عند الإمام الشاطبي:

وليس من اللازم إذاً ما اشترطه الإمام الشاطبي: أن تكون المصلحةُ من الضروريات، فقد تكون مصلحةً حاجيَّةً ممَّا يؤثر على الناس ويرفع عنهم العنت والحرج.

وليس من اللازم أيضاً أن تكون كلية عامة؛ فرعاية مصالح الأفراد والفئات المختلفة، أمرٌ معتبر في الشريعة.

وليس من اللازم بعد ذلك أن تكون قطعية؛ فالعمل بالظن الراجح في النصوص وفي دلالات الألفاظ أمرٌ معمول به في الأحكام الفرعية، وناط به الشرع أموراً كثيرة. كلُّنا يعرف ذلك، سواءً من حيث الاستدلال بخبر الواحد على سبيل المثال، أو بالقياس، أو بغير ذلك من أدلة التشريع، فضلاً عن دلالات الألفاظ في القرآن الكريم وفي السُّنّة المطهّرة.

والأمر المهمٌّ، والذي ينبغي الالتفات إليه والاحتياط فيه: أن تكون المصلحة حقيقيَّة لا وهميَّة، فقد يخيِّل الهوى، أو تُخيِّل الشهوة، أو يُخيِّل الوهم وسوءُ التّصوّر، أو الإلفُ والعادة، لبعض الناس: أنّ عملاً ما مصلحة وهو في حقيقته مفسدة، أو أنَّ ضرره أكبر من نفْعه. فكثيراً ما يُغفل الناس المصلحة العامة لأجل المنفعة الخاصة، أو يَغفلون عن الضرر الآجل من أجْل النَّفع العاجل، أو يُغفلون الخسارة المعنويَّة من أجْل الكسب المادي، أو يتغاضَون عن المفاسد الكبيرة من أجْل مصلحة صغيرة. فالاعتبارات الشَّخصيَّة والوقتيَّة والمحليَّة والماديَّة لها ضغطُها وتأثيرُها على تفكير البشر؛ لهذا يجبُ الاحتياط والتَّحرِّي عند النظر في المصالح وتقويمها تقويماً سليماً عادلاً.

يقول الإمام ابن دقيق العيد: "لست أنكر على من اعتبر أصل المصالح، ولكنَّ الاسترسال فيها وتحقيقََها يحتاج إلى نظر سديد".

وأنتهي إلى خلاصة:

أهمّ شروط العمل بالمصلحة في التشريع:

 فأقول مرة أخرى: اشترط القائلون بحُجّية المصلحة في التشريع أموراً معيَّنةً يجب تحقّقها حتى لا تختلط المصلحة بالمفسدة أو بالهوى؛ وتلك الشروط بإيجاز هي:

أوّلاً: أن تكون المصلحة حقيقيَّة لا وهميَّة، ويرى أهل الحل والعقد: أنَّ تشريع الحُكم بناء عليها يجلب نفعاً للناس، أو يدفع ضرراً عنهم؛ فلا اعتبار للمصالح التي قد يراها بعض الناس، مثلَ: ما يُدَّعى من مصلحة في إعطاء حق التطليق للقاضي وحْده في جميع الحالات؛ فإنَّ هذا التشريع لا توجد فيه مصلحةٌ، بل إنه يؤدِّي إلى فساد الأسرة والمجتمع، حيث يقوم ارتباط الزوج بزوجته حينئذ على أساس من الإكراه القانونيِّ، لا على الرضى والمودَّة وحُسن العشرة.

 ثانياً: أن تكون المصلحة مصلحة عامّة كلِّيّة، لا تختصُّ بفرد ولا بأفراد قلائل، كما إذا تترَّس الكفار بجماعة من المسلمين، بحيث إذا امتنع المسلمون عن قتالهم محافظةً على حياة مَن تترَّسوا بهم من المسلمين غلبَ الكفارُ حتماً، وإذا قَتلوا من تترَّسوا بهم من المسلمين اندفعت هذه المضرَّة عن كافة المسلمين؛ فيُباح عندئذٍ قتْلُ هؤلاء المسلمين الَّذين تترَّس بهم الكفار، تحقيقاً لمصلحة عامَّة المسلمين.

ثالثاً: أن تكون المصلحة ملائمةً لمقاصد الشارع، ولو لم يشهدْ لها دليلٌ خاص.

 رابعاً وأخيراً: ألاّ تكون النُّصوص قد جاءت بعدم اعتبارها وبإلغائها. وقد مثَّل العلماء لذلك بما أفتى به أحدُ فقهاء الأندلس أحدَ ملوكها -كما أشرت إلى ذلك في المحاضرة الماضية- حيث جامع هذا الملِك في نهار رمضان، فأفتاه هذا الفقيه بأنَّه لا كفارة لإفطاره في نهار رمضان عامداً إلا أن يصوم شهريْن متتابعيْن، ولم يُفتِه بالتخيير بين الإعتاق والصوم كما هو مذهب مالك، ولا بإلاعتاق فقط كما هو مذهب غيره من الأئمَّة. وقد بنى هذه الفتوى على ما رآه من مصلحة اقتضت في رأيه إلزام هذا الملِك بالصيام حتى لا يعود إلى مثل ذنْبه بانتهاكه حرمةَ رمضان. أمَّا إعتاق رقبة فلا زجر فيه، لأنَّه يملك من الرقاب عدداً كبيراً.

فقد رأى كثيرٌ من العلماء أنَّ هذه الفتوى قد انبنت على مصلحة ملغاة؛ فإنَّ النَّصَّ الوارد في الكفَّارة لم يُفرِّق بين ملِك وغيرِه في كفارة الإفطار، وإن المصلحة في الكفارة لا تقف عند الزجر والرَّدع كما فهِم هذا الفقيه -غفر الله لنا وله-؛ بل إنَّها تتجاوزه إلى السَّتر والتَّعويض، كما يؤخذ من لفظها ومعناها اللُّغوي. والستر يتحقَّق بالعتق وبالإطعام كما يتحقَّق بالصَّوم.