المحور الثالث: أدلة الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، وأدلّة المانعين لها.

وموعدنا الآن مع العنصر الثالث، وهو: الاحتجاج بالمصلحة المرسلة؛ ومعلومٌ أنَّ المجتهد يرجعُ إلى القرآن وإلى السُّنَّة وإلى الإجماع، لاستنباط الأحكام الشَّرعيَّة لكلِّ ما يجدُّ من حوادثَ، أو يعرض من وقائع. فإذا جاء الحكم في واحدٍ منها أخَذ به المجتهد. وإذا خلتْ هذه الأدلةُ من الحُكم الشرعي لحادثة بعيْنها، وكان فيها حكمٌ لحادثة أخرى انبنى على علَّة معيَّنة، ووُجدت تلك العلةُ التي بُني عليها الحُكم في الحادثة الجديدة، قام المجتهد بقياس هذه الواقعة الجديدة على الحادثة التي ثبت حُكمها بالأدلَّة السابقة، وأعطاها حكمَها، أي: قياسُ الفرع على الأصل في الحُكم، إذا اتَّحدت العلَّة. وهذا هو لُبُّ القياس الَّذي قال به الفقهاء والأصوليُّون.

 فإذا جاءت حادثةٌ لم يجِد المجتهدُ لها نظيراً معيَّناً في الحوادث التي ورد عن الشارع حكمُها حتى يقيسَها عليها بذاتها، وكان في تشريع حُكمٍ معيّن في هذه الواقعة تحقيقُ مصلحة الناس، بجلب النَّفع لهم أو دفع الضَّرر عنهم، فهل يستطيعُ المجتهد أن يُشرِّع هذا الحُكمَ بناءً على هذه المصلحة المرسلة التي لم يُوجد لها نظيرٌ تُقاس عليه، ولا يوجد دليلٌ على اعتبارها أو إلغائها؟

أقول: اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب بعضُهم إلى الاحتجاج بها، وذهب آخَرون إلى عدم الاعتداد بها في تشريع الأحكام. فما أهمُّ الأدلة التي احتجَّ بها القائلون بالمصلحة؟

أهمُّ الأدلّة التي احتجَّ بها القائلون بالمصلحة:

أقول: استدلَّ القائلون بحجِّيَّة المصالح المرسلة، بالأدلَّة الآتية:

أوّلاً: قالوا: دلّت الأدلةُ القطعية التي لا خلافَ عليها على: أنَّ التَّشريع الإسلاميَّ يقوم على تحقيق مصالح الناس، بجلْب الخير لهم، ودفْع الشَّرِّ والفساد عنهم. فأينما وُجدت المصلحة، فتمَّ شرع الله. ومصالح الناس تتجدَّد ولا تقف عند حدٍّ. فإذا جدَّت مصلحةٌ لم يشرع الشارع لتحقيقها حُكماً معيَّناً، ولم يُوجد ما يدلُّ على اعتبارها حتَّى يمكن القياس، فإنّ هذه المصلحة تكون دليلاً شرعياً يُبنى عليها الحُكم، ويكون هذا الحُكم هو حُكم الله، وإلاّ فالوقوفُ في التَّشريع عند المصالح المعيَّنة التي اعتبرها الشَّارع فقط، يؤدِّي إلى تعطيل مصالح النَّاس المتجدِّدة، ويُفضي بالضرورة إلى جمود الشريعة أو قصورها عن الوفاء بحاجات الناس؛ وهذا ما لا يَقبل القول به مسلمٌ غيور على دِينه وشريعته.

ثانياً: الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- قد أجمعوا على الاحتجاج بالمصلحة المرسلة التي لم يَرِدْ دليلٌ معيّن بإلغائها ولا اعتبارها؛ حيث قاموا بتشريع أحكام كثيرة لتحقيق مصالح مطلقة:

- فقد استخلف أبو بكر عمر َبن الخطاب -رضي الله عنهما وعن الصحابة أجمعين- في إمارة المؤمنين، لِمَا رآه من مصلحة الأمّة في ذلك، ولم يَرِد في هذه المصلحة دليل على اعتبارها؛ فإنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يستخلف أحداً بعده صراحةً، ولم يَرِد عنه نصٌّ في ذلك.

- كما جمَع أبو بكر الصُّحف المتفرِّقة الَّتي كتب فيها الصَّحابةُ القرانَ الكريم في  مصحف واحد، عملاً برأي عمر، محافظةً على القرآن، وخوفاً عليه من الضَّياع بعد أن استحرَّ أو اشتدَّ القتلُ بالقرَّاء في حروب الرِّدَّة. وعندما تحرَّج أبو بكر من ذلك أوّلَ الأمر، لعدم وجود شاهد معيّن باعتبار هذه المصلحة، وقال: "كيف أفعلُ شيئاً لم يفعلْه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-؟"، قال له عمر: "إنه -واللهِ- خيرٌ ومصلحةٌ للمسلمين".

- وبمنطق الخيريَّة هذا، وبالمصلحة ذاتها، عمل عثمان بن عفان على تدوين القرآن وتوزيع نسخ  منه على الأمصار الإسلامية، وإحراق ما عداه من نُسخ خاصة عند بعض أفراد الصحابة، واختلافهم في قراءة القرآن وانتقال هذا الاختلاف  إلى صفوف الجند في الفتوحات الإسلاميَّة، حتى اتَّهم بعضُهم بعضاً بالابتداع، وفسَّق بل كفَّر بعضهم بعضاً، إلى أن هدى الله عثمانَ إلى هذا الخير والمصلحة للمسلمين في كل زمان ومكان.

معنى ذلك: أنَّ الخير مطلوبٌ في الإسلام لذاته، ولو لم يَرِدْ فيه نصٌّ، والخير هو المصلحة. وقد سلك المسلمون بها كلَّ مسلك، وإن اختلفت وجهات النظر في تصويرها وتقديرها، والتوسع في الأخذ بها؛ وذلك كلُّه أيضاً في دائرة المصلحة التي يهتدي إليها كلُّ فقيه ومجتهد.

ومن أمثلة العمل بالمصلحة المرسلة في عهد الصَّحابة الكرام أيضاً:

- ما ذهب إليه عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- من تضمين الصُّنَّاع كالغسَّال والصَّبَّاغ والنَّجَّار والخيَّاط، حتَّى يُحافظوا على ما تَحت أيديهم للنَّاس، وقال في ذلك: "لا يصلحُ النَّاسُ إلا بذاك".

- وكذلك تدوين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- للدَّواوين؛ فقد روي أنَّه أوَّلُ من دوَّنها. وانظر مثلاً "الموطَّأ" للإمام مالك، كتاب: العقول، حيث تجد أمثلةً كثيرة، كتدوين عمر للدِّيات بأنواعها ومقاديرها.

- وكذلك جَعْل الحدِّ في شرب الخمر ثمانينَ،، بعد أن كان الشاربُ لها يُضربُ بالجريد والنِّعال وغير ذلك، وفي حدود الأربعين في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لكن لمَّا كثر الشاربون واستهانوا بالعقوبة، جعل عمر الزيادة تعزيراً، كما قال الفقهاء.

وهكذا يمكن لنا أن نقول: إنَّ حجِّيّةَ الاستدلال بالمصالح المرسلة، ثابتةٌ بالكتاب والسُّنّة والإجماع، كما دلَّ عليها استقراءُ الشريعة؛ فإنَّه قد عُلم من الشَّرع الكريم محافظتُه على المصالح وعدم إهدارها، ولا سيَّما إذا كانت المصلحة متمحِّضة، لم تستلزم مفسدةً، ولم تعارض مصلحةً راجحة، ولم تصادم نصَّاً من الوحي.

على أنَّ عز الدين بن عبد السلام يقول: "ومن تتبَّع مقاصد الشرع في جلْب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقادٌ بأنَّ هذه المصلحة لا يجوز إهمالُها، وأنَّ هذه المفسدة لا يجوز قربانُها، وإن لم يكن فيها نصٌّ ولا إجماع ولا قياس خاصٌّ؛ فإنَّ فهم نفس الشرع يوجب ذلك وعلى كل حال، فرعايةُ المصالح من طرائق الاستدلال التي لا تستقلُّ ببيان الأحكام دون أصلٍ كليٍّ".

قال الغزالي: من ظنَّ أنَّه أصلٌ خامس، فقد أخطأ، لأنَّا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشَّرع، ومقاصد الشرع تُعرف بالكتاب والسُّنّة والإجماع؛ فكلُّ مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود فُهم من الكتاب والسنة والإجماع، وكانت من المصالح الغريبة التي لا تلائم تصرفات الشرع، فهي باطلة مُطَّرحة، ومن سار إليها فقد شرَّع، كما أنَّ من استحسن فقد شرَّع. وكلُّ مصلحة رجعت إلى حفظ مقصودٍ شرعيٍّ عُلم كونُه مقصوداً بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، فليس خارجاً من هذه الأصول، لكنَّه لا يُسمّى "قياساً"، بل "مصلحة مرسلة"، إذ القياسُ أصلٌ معيَّن، وكون هذه المعاني مقصودةً عُرف لا بدليل واحد بل بأدلّة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة، وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، فسُمّي بذلك: "مصلحةً مرسلة". وإذا فسَّرنا "المصلحة" بالمحافظة على مقصود الشَّرع، فلا وجه في الخلاف لاتِّباعها؛ بل يجب القطع بكونها حجةً. وحيث ذكرنا خلافاً، فذلك عند تعارض مصلحتيْن ومقصوديْن، وعند ذلك يجب ترجيحُ الأقوى.

وهي -كما ترى- كلمة جامعة، لعلَّك توافقُني في ذلك، ولا ترى ذكْرها إطالة؛ ومع هذا فإنَّ الاستدلال بالمصالح المرسلة ليس أمراً هيناً، ولا هو بالمركب السَّهل، وليس هو حقاً لكلِّ أحدٍ كائناٍ من كان؛ إذ هو من أشدِّ مواقع الاجتهاد وأحراها، لِما يشترط في أهله من شروط دونها خرط القتاد -كما يقال في الأمثال-.

ولذلك نجد عالِماً بالفقه والأصول والسياسة الشرعية أيضاً، هو: القرافي المالكي يقول: "إنَّ مالكاً يشترط في المصلحة أهليَّة الاجتهاد، ليكون النَّاظر متكيِّفاً بأخلاق الشَّريعة، فينبو عقله وطبعه عمَّا يخالفُها، بخلاف العالِم بالسِّياسات إذا كان جاهلاً بالأصول، فيكون بعيدَ الطَّبع عن أخلاق الشَّريعة، فيهجم على مخالفة أخلاق الشَّريعة من غير شعور، إلا أنَّه مزلَّة قدَم للمبتدع في الدِّين، وهاوية ذمم للمقننين. نسأل الله العافية والسلامة".

وقد نبَّه إلى ذلك بعضُ أهل العلم  مثل الشاطبي في "الاعتصام".

أدلّة المنكِرين لحُجِّيّة المصالح المرسَلة:

أمَّا عن أهمِّ أدلة المانعين الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، فيكفي أن أقول: إنَّ المنكِرين لحجِّيَّة المصالح المرسلة استدلُّوا بالأدلّة الاتية:

أوّلاً: قالوا: إنَّ الشريعة قد جاءت بكل ما يحقِّق جميع مصالح الناس، إمّا في نصوصها أو بالقياس على ما جاء حُكمه في نصوصها؛ فليس هناك مصلحةٌ لم يَرِد دليلٌ على اعتبارها، والقول بغير ذلك يتنافى مع كمال الشريعة وتمامها الثابت بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً}.

فإذا ظهرت مصلحةٌ لم يَرِد عن  الشَّارع دليلٌ باعتبارها، كانت مصلحة وهميَّة لا حقيقيّة؛ فلا يصح بناء التَّشريع عليها.

ثانياً: الاعتماد على المصلحة المرسلة في التَّشريع، يفتح -في نظرهم طبعاً- البابَ لأصحاب الأهواء والشَّهوات من الحكّام والفقهاء، فيُدخلون في الشريعة ما ليس منها، ويشرِّعون أحكاماً باسم المصلحة، وهي في الحقيقة مَفسدة؛ وفي ذلك ضياعُ الشريعة وفساد الناس كما يقولون.

ثالثاً: الاعتداد بالمصالح في تشريع الأحكام يؤدِّي إلى اختلافها حسب الأزمنة؛ فيكون الأمر الواحد حلالاً في زمن معيّن أو بلد معيّن، لِما فيه من مصلحة، وحراماً في زمنٍ آخَر أو بلدٍ آخَر، لِما فيه من مفسدة؛ وهذا يتنافى مع وحدة الشريعة ووحدة أحكامها وعمومها وخلودها.

لكنَّ الذي نراه: أنَّ الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، وبناءَ الأحكام عليها، هو الأمر الراجح الذي يتَّفق مع عموم الشريعة وخلودها، ومسايرتها لمصالح الناس في كل مكان وزمان؛ وهو الأمر الذي سار عليه الصَّحابة.

 والقولُ بعدم الاعتداد بالمصلحة يؤدِّي إلى جمود الشَّريعة، أو كأنَّ القول باعتبارها لا يتنافى  مع كمال الشَّريعة؛ بل إنَّه هو الذي يحقِّق كمالها وتمامها، وتحقيقها لمصالح الناس أجمعين، مهما اختلفت بيئاتهم وأزمانهم.

أمَّا الخوف من أصحاب الهوى وأهل الغرض والمرض من الحُكّام والفقهاء، فلا يصح أن يكونَ سبباً في إهمال مصالح النَّاس، ولا يمنع ضررَ هؤلاء إلا إبعادُهم عن ولاية أمْر النَّاس، وعن منصب التَّشريع، لأنَّ مَن غلب عليه الهوى وران على قلبه الفساد، يكون منه الخطر على الشَّريعة وأحكامها، سواء أكان التشريع مقيّداً بالنصوص أو مقيّداً بالمصلحة.

وأمّا قول المنكِرين للمصلحة المرسلة: إنَّ التَّشريع بمقتضاها يترتَّب عليه اختلاف الأحكام، ممَّا لا يتفق مع وحدة الشَّريعة وعمومها، فقولٌ ظاهر البطلان، لأنَّ هذا الاختلاف في الأحكام بناءً على اختلاف المصالح مقصد أساسيٌّ من مقاصد التَّشريع، يتحقق به خير الناس مهما اختلفت أزمانهم وديارهم. وهذا الاختلافُ لا يتنافى مع وحدة الشَّريعة وعمومها، لأنَّ الشَّريعة واحدةٌ عامَّة، تُطالبُ الجميعَ بتشريع ما يحقِّق مصلحتهم في المسائل التي لم يَرِد عن الشارع شاهدٌ باعتبارها ولا بإلغائها؛ فلم يكن الاختلافُ في أصل الشريعة حتَّى يتنافى  مع وحدتها وعمومها، وإنما هو اختلافٌ في التَّطبيق وفي وجود المصلحة  أو عدم وجودها.

وننتقل الآن إلى الحديث عن شروط  العمل المصلحة من وجهة نظر هؤلاء الَّذين يقولون بالمصلحة المرسلة، وقد رجَّحنا هذا الرأي بأدلَّتهم، ورددنا بما فيه الكفاية على أدلة المانعين لحُجيتها.

 

شروط  العمل بالمصلحة:

أقول: لقد اشترط  القائلون بحجِّيَّة المصلحة في التَّشريع أموراً معيَّنة يجب تحقُّقُها، حتى لا تختلطَ المصلحةُ بالهوى والمفسدة؛ لكن -والحقًّ يُقال- إنَّ من هؤلاء مَن ضيَّق الأخذَ بالمصلحة المرسلة، بوضعه شروطاً صعبة التَّحقيق.

فهذا الإمام الغزالي يشترط لاعتبارها ثلاثة أوصاف على حدِّ قوله: أن تكون ضروريَّة، قطعيَّةً، كليَّة.

- ومعنى "أن تكون ضروريَّة"، أي: من الضَّروريات الخمس المعروفة؛ فإذا كانت في مرتبة الحاجيّات أو التَّتمَّات والتحسينيَّات لا تُعتبر.

- ومعنى "أن تكون كلِّيّة"، أي: تعمُّ جميع المسلمين، بخلاف ما لو كانت لبعض الناس دون بعض، أو في حالة مخصوصةٍ.

- وأخيراً "أن تكون قطعيَّةً أو قريبةً من القطعيَّة".

ويبدو للمتأمِّل: أنَّ الغزاليَّ لم يشترط هذه الشُّروط لكلِّ مصلحة، ولكن اشترطها في المثال الذي ذكَره، وهو: تترُّس الأعداء بالمسلمين في الحرب، وإن فهم الأكثرون منه أنَّه شرطٌ عامٌّ لكلِّ المصالح.

والحديثُ موصول حول شروط العمل بالمصلحة، لأنها شروطٌ دار حولها نقاش طويل، بعضها مجمَل وبعضها مفصّل؛ وهو ما سنلتقي حوله -بمشيئة الله تعالى-  إذا جمعَنا الله بكم في لقاء آخَر. نستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.