المحور الثاني: أنواع المصالح من حيث مشروعيّتها، وعدم مشروعيتها.

وفي ضوءِ ما سبق أيضاً، يمكننا أن نُسلِّمَ بوجود ثلاثة أنواع من المصالح:

النوع الأول: مصالح معتبرة في نظر الشارع:

 حيث تظاهرت الأدلّة على رعايتها واعتبارها، وعلى جواز التَّعليل بها وترتيب الحُكم عليها، خلافاً لِمَن أنكروا القياس وتعليل النُّصوص؛ ولهذا تُسمّى: "المصلحةَ المعتبَرة".

ومثالُها: الإسكار بالنِّسبة إلى تحريم الخمر، والصِّغر بالنِّسبة للولاية على المال.

النَّوع الثاني: مصالح مُلغاة:

 وفي المقابل وجدْنا نصوصاً أخرى جاءت بأحكامٍ تُلغي ما يُتوهّم أنَّه مصلحة  في كثير من الوقائع والحوادث، ومن وجهة معيّنة؛ فكان هذا دليلاً على أنَّ هذه المصالح المتوهَّمة ملغاةٌ وغير معتبَرة في نظر الشارع؛ وهذا هو النَّوع الثَّاني.

 إذاً، مرَّ علينا الآن نوعان من المصالح: مصالح معتبَرة في نظر الشَّارع، ومصالح ملغاة في نظر الشَّارع أيضاً، على أنَّ إلغاء هذه المصالح -بطبيعة الحال-  لم يكن من جهة كونها مصلحةً، بل لأنَّها مصلحةٌ موهومة، أو لأنَّها مصلحة مرجوحة أمام مصلحة راجحة.

 ومن أمثلة هذا النوع: مصلحة آكل الربا في زيادة ثروته، مع ورود النَّهي عن أكل الربا قليلِه وكثيره، بل وجعل ذلك من الموبقات -أي: المهلكات-. وفي الحديث الصحيح: ((اجتنبوا السّبْع الموبقات! -أي: المهلكات- قيل:  وما هنَّ يا رسول الله؟ قال: الشِّرك بالله، والسِّحر، وقتْل النَّفس الَّتي حرَّم الله إلاّ بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات))، أو كما قال -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة عن تحريم الرِّبا جملةً وتفصيلاً.

 ومنها: مصلحة المريض الميئوس من شفائه، أو مَن ضاقت به سبل العيش، في الموت أو ما يسمّى: "موت الرَّحمة" أو "قتْل الرَّحمة"، مع وجود نصوص قاطعة في تحريم الاعتداء على النَّفس من صاحبها أو من الغير.

ومنها أيضاً: مصلحةُ المرأة في أن تكون مساويةً للرجل في ملكيَّة الطلاق، أو سلْب حقِّه في تعدُّد الأزواج، أو مساواة الابن والبنت في الميراث لتساويهما في الصلة بالأب المتوفَّى؛ حيث جاء النَّصُّ القرآني بإهدارها وإلغائها في قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}، نظراً لتفاوتهما في مغارم الأعباء والالتزامات المالية من ديات ومهور ونفقات، أو لاعتبارات أخرى يراها العليم الخبير الذي خلق الذكر والأنثى. فسبحانه يقضي بما يشاء لمن يشاء من خلْقه، ولا معقِّبَ لحُكمه، ولا رادَّ لقضائه، ولا يظلم ربُّنا أحداً.

 وكذلك: المصلحة المرجوحة في المحافظة على النَّفس، بعدم قتال الأعداء والاستسلام لهم؛ وقد جاءت النُّصوص بإلغائها وعدم اعتبارها في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ}، وذلك لوجود مصلحة أرجح منها، وهي: المحافظة على الأمّة وعلى عقيدتها ووطنها.

ويحضرني في هذا المقام، مثال يتردّد في كتب الفقه والأصول كثيراً، وهو: ما الحُكم ما لو ظاهر ملكٌ من امرأته، أو جامَعها في نهار رمضان؟ فقد يُرى أنَّ مصلحة الزَّجر والرَّدع تقتضي تخصيص تكفيره بالصَّوم، لأنه يردعُه بخلاف الإعتاق والإطعام، فإنهم لا يبالون بهما، إما لخفَّتهما أو لسهولتهما عليهم. ولكنَّ الشارع الحكيم أهمل هذه المصلحة، باشتراطه التَّرتيب في كفّارة الظِّهار على سبيل المثال، يقول الله -عز وجل-: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}.

وذلك لتحصيل مصلحةٍ أخرى أهمَّ من هذه، هي: أنَّ عتق الرَّقبة من الرِّقِّ أهمُّ عند الشارع من التَّضييق على هذا الملِك ونحوه في التَّكفير للصوم لينزجر. ومثْل ذلك أيضاً، يُقال في ترتيب كفَّارة الوطء في رمضان، وثمَّة فتوى مشهورة في ذلك من أحد فقهاء المالكيَّة لأحد أمراء الأندلس، لمَّا جامع في نهار رمضان، فأفتاه الشَّيخ بوجوب الصوم تكفيراً عن انتهاك حرمة رمضان، بخلاف ما عليه المذهب المالكي وغيره...

النوع الثالث: مصلحة مرسَلة:

 وننتقل الآن إلى النوع الثالث، فقد خلت بعض المصالح الجزئية من وجود نصٍ شرعيٍّ معيَّن على اعتبارها، ومن وجود نصٍّ شرعيٍّ معيَّن  على إلغائها، فتُسمّى هذه المصلحةُ "مرسلةً"، أي: مطلقةً عن دليل معيَّن على اعتبارها أو إلغائها.

ومن أمثلتها: المصلحة التي رآها الصحابة في جمْع الصُّحف المتفرِّقة التي كُتب فيها القرآن في مصحف واحد، والمصلحة التي رأَوْها في اتخاذ السُّجون، وفي ضرْب النُّقود ونحوها...