نعوذ بالله من الفتن 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،،

أما بعد:

فلقد وردت كلمة الفتنة فى كتاب الله تعالى في نحو من ستين موضعًا وعلى اثني عشر وجهًا من المعاني المختلفة أكثرها معاني لا تحمد، ولهذا تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن وحذر منها وأنذر، ولقد بوب البخاري رحمه الله تعالى كتاباً فى الفتن وضمنه أبواباً منها : باب : قول الله تعالى {وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً} وما كان صلى الله عليه وسلم يحذر من الفتن.

والفتن التى تختلط فيها الأمور، وتضطرب فيها الصدور، ويختلط فيها الحابل بالنابل ولا يتبين الانسان وجه الرشاد فيها حقها أن تُعتزل، لا سيما اذا دعى أصحابها إلى قتالٍ أو حمل سلاح.

ففى الحديث: " تكون فتنٌ النائم فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الراكب، والراكب فيها خير من المُجْرِي، قتلاها كُّلهافى النار، قلت (ابن مسعود): يا رسول الله ومتى ذلك؟ قال: ذلك أيام الهَرْجُ، قلت : ومتى أيام الهرج؟ قال: حين لا يأمن الرجل جليسه، قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: كفًّ يَدَك ولسانَكَ وادخل دارَكَ .. الحديث "([1]).

 

ويكشف النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب القتال فيقول: " يكون بعدي قوم يأخذون الملك، يقتل عليه بعضهم بعضاً "([2]). فكل قتال لدى التباس الأمور واضطرابها ينبغي التأني فيه، فمن استبان له عدم مشروعيته فقد وجب الكف عنه، ومن التمس الحق فلم يجده لم يحل له أن يقاتل عن غير بينه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لاتذهب الدنيا حتى يأتي على الناس يوم لايدري القاتل فيم قَتَل, ولا المقتول فيم قُتِل!!  فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: الهرج! القاتل والمقتول في النار "([3]).

قال القرطبي : " فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب دنيا أو اتباع هدى فهو الذي أريد لقوله : القاتل والمقتول في النار"([4]). فما لم يتحقق ظهور المُحِق من المبطل لم يحل قتال أو اقتتال، وكذا إذا ظهر أن كلتا الطائفتين أو الطوائف المقتتلة على باطل. وذهب بعض الفقهاء إلى أن كل صراع غير المشروع على طلب السلطة هو من قتال الفتنة ([5]).ويخرج من قتال الفتنة قتال البغاة الخارجين عن إمام أو خليفة عادل.

 

وعليه فإن المسلم مأمور عند الفتن التى يقتتل فيها الخلق بأن يبتعد عن المشاركة وأن يشتغل بما ينفعه مما لا شبهة في مشروعيته و أولويته، ولو بشأنه الخاص! بل عليه أن يتلف سلاحه إن خشي استعماله فى الفتنة، ففي الحديث: " . . . فإذا نَزَلَت أو وَقَعَت فمن كان له إبل فليلحق بإبله، ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه، ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدقُّ علَى حدِّه بحجر ثم لينج إن استطاع النجاء، اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلَّغت "([6]).

وعلى كل حال فإن على العلماء أن يكفوا العامة عن المشاركة، وأن يصلحوا بين الفئتين أو الفئات المتقاتلة، وقد قال تعالى { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا }

نسأل الله تعالى أن يقى أمتنا الفتن ما ظهر منها وما بطن وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الأمين،

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



([1]) أخرجه أحمد في السنن ( 7/ 317 ، 315 ) ومن حديث ابن مسعود ( 4287 ، 4286 ) والحاكم في المستدرك (4/ 473) ح )8314(  وصححه ووافقه الذهبي.

([2]) أخرجه أحمد في السنن(30/ 255)ح(18320)، من حديث عمار بن ياسر والهيثمي في مجمع الزوائد(7/292، 293).

([3]) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة (4/ 2231) ح (2908).

([4]) التذكرة في أحوال الدنيا وأمور الآخرة لمحمد بن أحمد القرطبي ص (1104).

([5])نيل الأوطار للشوكاني (5/ 370).

([6]) أخرجه مسلم ( 4/ 2212 ) ، ح ( 2887 ) من حديث أبى بكرة.