الدعوة إلى الله في رمضان

الحمد لله رب العالمين وصلى الله و سلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ، ففي المقالين السابقين كان الحديث عن التخطيط الدعوي ثم عن التدريب الدعوي ، ويأتي هذا المقال في شهر الصيام ليفتح الباب واسعا للإفادة من التخطيط ولممارسة التدريب والتنفيذ العملي!

فأقول وبالله التوفيق : الدعوة إلى الله من أفضل القربات وأنفع الصالحات ، وهى من أعظم الواجبات المحتمات على كل مسلم بحسب ما آتاه الله من الإمكانات ، ذلك أنها وظيفة الأنبياء والأولياء ، قال الله تعالى (( قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)) ( يوسف: 108).

والدعوة إلى الله قولا أحسن الأقوال ، و الدعوة إلى الله عملا أحسن الأعمال ، قال الله تعالى ((و من أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين)) (33/فصلت ).

فأفضل الخلق بعد رسل الحق سبحانه هم من يبلغون كلمات الله لعباده ويخلفون أنبياء الله تعالى في أممهم ، فهم أولى الناس بنضارة الوجوه والفقه في الدين ، كما قال خاتم النبيين صلى الله عليه و سلم " نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها ، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه "([1])

و ممارسة الدعوة يمتد توقيتها الزماني ليشمل العمر كله ! ويتسع توقيتها المكاني ليشمل الأرض بأسرها ! وهى تتأكد بعد ذلك في كل مكان وزمان فاضل !

ولقد علم أنبياء الله تعالي الدعاة هذا المعنى الجليل فقال تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام ((قال رب إني دعوت قومي ليلا و نهارا )) (نوح/5).

ونبينا صلى الله عليه و سلم دعا قومه بمكة ليلا ([2])، وأخذ بيعتي العقبة من الأنصار ليلاً ([3])،وعلم البشر بعد منتصف الليل ([4])،وخوف وذكر بعد ذهاب ثلثي الليل ([5])، ووعظ عند الاستيقاظ من النوم فى الليل ([6])،ثم كان نهاره كله دعوةً إلى الله !

فإذا تأكدت الدعوة إلى الله فى كل حين، فهى فى زمان الإقبال على الله آكد، ولم ير الإنسان معاناً على الشيطان كما رئي فى رمضان !

وما تلي القرآن الذى هو مادة حياة القلوب كما تلي فى رمضان !

وما اعتنى أحد بالقيام خلال العام عنايته به فى ليالي رمضان !

وما كان المسلم فى زمان أجود منه فى رمضان !

رمضــــان أقبل قم بنا يا صـــاح ... هـذا أوان تبتــلٍ وصـــلاح

أفلا يهتبل الداعية الموفق هذا الخير الدافق فى شهر التوبة والإنابة والرحمة ! إنها فرصة ينبغي للداعية الحصيف أن يحسن التخطيط لها، وهي أيام عمل وتدريب للداعية الناشئ لا بد وأن يغتنمها!

وممارسة الدعوة فى رمضان لم يكن لينقطع عن أسلافنا الصالحين ، وإنما كان بعضهم ينقطع عن دروس العلم لا الدعوة والوعظ والتذكير ! وإحياء معاني التقوى فى القلوب ، وغرس الاهتمام بفقه التغيير وإصلاح النفوس.

فليس رمضان إلا محطة تزود بالصالحات ومجاهدة للنفس على صالح العادات ، واجتهاد فى اكتساب الفضائل والحسنات.

ولا يخلو لسان الداعية في رمضان من تذكير بواجب السعي للتمكين وإقامة علم الجهاد ، وأسلافنا الصالحون ما تركوا الدعوة إلى دينهم بالحجة والبيان، ولا تركوا إزالة كل عائق يمنعهم عن ذلك بالسيف والسنان ، وإلا فهل كانت وقعة بدر الكبرى ويوم الفرقان إلا فى رمضان !

وهل اكتحلت عينا النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح إلا في رمضان !

وهل اندحر الصليبيون أو التتار المغول إلا فى رمضان !

أفبعد ذلك كله يسوغ أن يسأل داعية أو طالب علم هل للدعوة مكان فى رمضان ؟!

نعم ! عليك أيها الداعية الصائم أن تحسن إعداد خطتك الدعوية الرمضانية مع أهل مسجدك وحيًّك ، ومع أهل صنعتك ومهنتك ، ومع أهل بيتك وأولادك وقرابتك ، ومع أصحابك وأقرانك وإخوتك ، واعزم على أن تضرب من كل عمل صالح بسهم ، واجتهد في إيصال الخير إلى الغير  ((فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ))، وأعد عدتك وأر الله خيراً من قلبك ، وصفِّ  نيتك وإرادتك ، وقل " إياك أريد بما تريد " قال الفضيل بن عياض: ( إنما يريد الله عزَّ وجلَّ منك نيتك وإرادتك فلا تقعد بك همتك فتكون ممن قد يقال لهم ((وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً)) [التوبة:46].

أيها الداعية الرمضاني : هلمَّ مع أهل المسجد إلى مدارسة يومية لكتاب الله بعد الفجر!

وأقبل على درس تربوي عام بعد صلاة العصر ، وشارك فى إقامة التراويح بصوتٍ ندي وأداءٍ مرضًّ، ونبه إلى أحكام رمضان فى الصيام والقيام وذكر بفضائل ليلة القدر واغتنام سائر العشر، وأكثر من توزيع المطويات والنشرات التى توعي الخلق بأصول دينهم، وتنبههم إلى مالا يتفطنون له من المخالفات والآثام ، وظَّف طاقات الشباب من حولك، فقد أهلَّ علينا الهلال في وقت العطلة الصيفية ، وهو توقيت ملائم للاجتهاد فى العبادة والدعوة معاً .

ثم إن للمرأة الداعية نصيباً أي نصيب! فهي تعمل بالخير وتسعى بالنصيحة بين بنات جنسها، وهي أنجح في هذا العمل من دعوة الرجال لها، فعلى المرأة الداعية أن تجتهد في طاعة ربها ونفع صديقاتها وقريباتها بإيصال الكتيب النافع، بإهداء الشريط المسجل والقرص الالكتروني، وبجمع الصدقات وإيصالها إلى الأخوات المحتاجات، وهكذا تتنوع سبل الدعوة في رمضان، فإذا شارف الشهر على الانتهاء، فدعوة متأكدة لصلاة العيد والتذكير بصدقة الفطر والتنبيه على ما تمس الحاجة إلى بيانه من آداب العيد ، وما ينبغي أن يكون عليه المسلم من العهد بعد رمضان.

بلغنا الله رمضان وسلمنا الله لرمضان ، وتسلمه منا متقبلا ، وأعاده علينا أعواماً عديدة ، وأزمنة مديدة بفضله ومنته، إنه أكرم الأكرمين ، وأرحم الراحمين ،

والحمد لله رب العالمين.



([1])أخرجه ابن ماجة بسند صحيح (1/45).

([2])  أخرجه الطبراني فى الكبير (12/250) عن أم الفضل وابن عباس مرفوعاً.

([3])أخرجه البخاري (3892) ، ومسلم (1709)، عن عبادة ابن الصامت مرفوعاً.

([4])أخرجه البخاري (1127) ، ومسلم (775)، عن علي مرفوعاً.

([5])أخرجه الترمذي (2457) وأحمد (5/136)، مختصر عن أبي بن كعب مرفوعاً.

([6])أخرجه البخاري (1126) عن أم مسلمة مرفوعاً.