تدبر لطيف حول اسم الله اللطيف

تشتد الكروب، وتعظم الخطوب، وتتابع المحن، وتترادف الفتن، ويتلفت الإنسان، أين عساه المخرج؟!

ومتى يأتي الفرج؟!

وبينما العبد في تساؤلاته حائرًا، يلوح له ضياء خفي، ونور وَضِي، لا يعلم من أين جاءه، ولا كيف عرف السبيل إلى قلبه؟!

فإذا بالشدائد تنجلي، والهموم تنفرج، والكروب تتنفس.

فَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الفَتَى= ذَرْعًا وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا المَخْرَجُ

ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلقَاتُهَا =  فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ!

1- تعرَّض نبيُّ الله يوسف لكربات عظام وأهوال جسام، فنجاه الله من الأسر والرق، ومن الفتنة في الدين، ومن فتنة الملك وفتنة النساء وغيرها، وفي آخر تلك القصة قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف: 100]، فأخرج له من الكيد لطفًا، ومن العسر يسرًا!

2- واللطيف سبحانه يلطف بعباده وهو لطيف لما يشاء، قال سبحانه: ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [الشورى: 19].

3- واللطيف سبحانه هو من يعلم دقائق المصالح وخفيَّها، ويتوصل إلى تبليغها لعباده من طرف خفي، يطلع على البواطن والأسرار، ويعلم في الضمائر وما تخفي الصدور: ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[الملك: 14].

فاللطيف سبحانه يوصلك إلى حاجتك في رفق وإحسان، ومهما أخفى العبادُ عن رب العباد فإن الله بهم عليهم، ولإيصال الخير إليهم مريد، وهو في ذلك الشأن بهم لطيف!

4- ﴿ يابُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ[لقمان: 16].

واللطيف سبحانه يَهدي عباده للدعاء، ويستجيب لهم، ويحسن إليهم في خفاء! من حيث لا يشعرون.

5- واللطيف سبحانه خفي أن يطَّلع عليه العباد في الدنيا بأبصارهم.

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[الأنعام: 103].

فلو رآه الخلق في الدنيا لانقطعت الحياة، وتعطلت حِكَمُها، وبارت الصنائع والأسواق.

فمن لُطف اللطيف أن يحتجب عن الخلق في الدنيا رحمة بهم، ومِن ثَمَّ يُرى في الآخرة إكرامًا لأوليائه.

﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولكنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين[الأعراف: 143].

أما في الآخرة: فـ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ [22] إِلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة: 22-23].

وهو الذي لَطُفَ أن يدرك بالكيفية.

قال ابن القيم رحمه الله في «النونية»:

وَهوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ = وَاللُّطْفُ فِي أَوْصَافِهِ نَوْعَانِ

بِإِدْرَاكِ أَسْرَارِ الأُمُورِ بِخِبْرَةٍ = واللُّطْفِ عِنْدَ مَوَاقِعِ الإِحْسَانِ

فَيُرِيكَ عِزَّتَهُ وَيُبْدِي لُطْفَهُ = والعَبْدُ فِي الغَفَلَاتِ عَنْ ذَا الشَّانِ([1]).

فاللطفُ: رحمةٌ وعصمةٌ، وبرٌّ في خفاء!

فإذا عاين العبدُ المهالكَ، وأدركته المخاوفُ والمعاطبُ، جاءه لطف الله الخفي، فأنجاهم برحمته!

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[الشرح: 5].

﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ[الطلاق: 3].

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا[يوسف: 110].

أمثلة من لطف اللطيف عز وجل:

1- لطف الله بعبده جنينًا:

في ظلمات ثلاث، يتغذى في بطن أمه عن طريق سُرَّته، إلى أن ينفصل عنها فيرتضع ثديها، ويتكلم بدون معلم أن يلتقم الثدي ولو في ظلام دامس، أو يتأخر في السن، فيرتضع كالفرخ حين يخرج من البيضة، يخرج فاغرًا فاه ليلتقط الحَبَّ! وأخرج الرب اللطيف للعبد الضعيف من بين الفرث والدم لبنًا خالصًا.

ثم لطف الله بعبده صغيرًا، فيخلق له الأسنان ليتغذى بالطعام، ويهيئ له الطعام.

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28)[عبس: 24- 28].

فأخرج سبحانه بلطفه العسل من النحل، والحرير من الدود، والدُّر من الصدف، وأخرج الإنسان من النطفة المَذِرَة!

كما أخرج الأحجار الكريمة والجواهر النفيسة، من الأحجار الرخيصة!

2- لطف الله ببعض عباده:

لطفه بنبيه موسى عليه السلام.

لطفه بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

لطفه ببعض الصالحين والعلماء العاملين.

آثار الإيمان باسم الله اللطيف:

يعتقد العبد ويوقن أنه لا يفوته من العلم شيء، وإن دق وخفي!

﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ[الأنعام: 59].

﴿ يابُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان: 16].

2- أن يحاسب العبدُ نفسَه على القليل والكثير، والكبير والصغير؛ لأن قلبه وصدره مكشوف لربه.

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك: 14].

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [الزلزلة: 7-8].

3- إذا علم أن الله جمع بين اللطف في العلم والرفق في الفعل، فإنه يتعلق قلبه بربه محبة وتعظيمًا، ومهابة وتعلقًا.

4- أن يجتهد العبد في الرفق واللطف بخلق الله، في شئونهم الدينية والدنيوية على حد سواء! ويقتدي بالرؤوف الرحيم صلوات الله وسلامه عليه، فهو يلاطف جابر بن عبد الله، فيشتري منه جَمَلَهُ، ويرده إليه وثمنه([2])، ويتلطف مع الأعرابي الذي بال بالمسجد([3])، ويتلطف مع الآخر الذي جذبه من ردائه، حتى أثر في صفحة عاتقه صلى الله عليه وسلم([4]): «إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى العُنْفِ»([5]).

5- إذا حلَّت بالعبد نازلة استمطر لطف الله فيها، وتلمَّس فضل الله فيها، وانتظر فرج الله فيها، ﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [الشورى: 19].

6- يقف مع لطف الله الخفي في ابتلاء العبد ببعض الذنوب ليتوب! حتى يحصل له من الخير ما لا يتصور العبد.

7- يشهد العبد أن ربه فتح له أبواب خيرٍ مشرعة، لم تكن لتخطر له على بال، تتابع منها بركات وخيرات.

8- يحصِّل العبد سكينة قلبه وطمأنينة فؤاده، والرضا بقدر ربه وقضائه، حيث اعتقد أن ربه لطيف لما يشاء، لا سيما عند اشتداد المخاوف.

9- إذا نزلت به ضائقة أو حصل له كرب، دعا الله باسمه اللطيف الخبير، يا لطيف يا لطيف، عبدك ضعيف، وحُفِظ من كلامهم: يا خفي الألطاف، نجنا مما نخاف.

اللهم الطف بنا في تيسير كل عسير؛ فإن تيسير كل عسير عليك يسير؛ إنك نعم المولى ونعم النصير!

10- إذا علم العبد لطف الرب، تعلق قلبه رجاء بالله في رحمته وتفريج كربته، لا في الدنيا فحسب، وإنما في الآخرة، فينبسط قلبه رجاء ورغبة في سعة رحمة رب العالمين، ويجتهد أن تشمله تلك الرحمة الواسعة في الآخرة!

 



([1]) النونية (ص 207).

([2]) أخرجه البخاري (2097)، ومسلم (715).

([3]) أخرجه البخاري (6010).

([4]) أخرجه البخاري (3149)، ومسلم (1057).

([5]) أخرجه البخاري (6927) ومسلم (2593).