المنظومة الغربية المعاصرة

أسس وملامح

 

إنما الحاضر هو ابن الأمس! ومن لم يدرك ما كان، فلن يدرك ما هو كائن، ولا ما سيكون!

وحقيقة التاريخ دراسة التطورات والتغيرات البشرية وَفق سنن الله في الخلق من جميع الجوانب السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية والدينية، فالتاريخ علم يرتبط بالإنسان، ولولا وجود الإنسان لما وجد التاريخ!

وإن الغاية من معرفة الماضي هي فهم الواقع بأحداثه وتوجهاته، وإدراك كيف تعمل السنن الاجتماعية في المجتمعات البشرية، وهنا يتداخل التاريخ كعلمٍ بعلوم أخرى متعددة؛ كالسياسة والاقتصاد والاجتماع، وقبل ذلك بالعلوم الدينية ([1])!

وحضارة الغرب اليوم بمنجزاتها الفكرية والاجتماعية والأخلاقية قبل الصناعية والتقنية هي نتاج لجهد بشري منظم استطاع عبر قرون متعاقبة أن يبني فيه اللاحق على السابق، ويصل فيه الخلف ما ابتداه السلف!

وبين التاريخ والحضارة ارتباط وثيق، وبينهما وبين الفكر والثقافة تداخل وتمازج، فالثقافة إرث اجتماعي، ومحصلة نشاط معنوي ومادي لمجتمع من المجتمعات، وهي بهذا تقترب في معناها من الحضارة، وقد يذهب بعض الباحثين إلى اعتبار الثقافة مختصةً بالإنجاز الفكري والمعنوي، واعتبار الحضارة مختصةً بالإنجاز المادي والمعنوي على حدٍّ سواء([2]).

وحين يجري الحديث عن منظومة معاصرة، فإن هذا يعني أن يؤرخ لبدايتها بنهاية الحرب العالمية الأولى 1914م، أي أن العالَم المعاصر تاريخيًّا هو عالَم القرن العشرين، والحادي والعشرين، وتمتدُّ رقعة الغرب جغرافيًّا لتشمل أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندا، ولا شك أن العالَم المعاصر شهد في المائة سنة الأخيرة أحداثًا جسامًا حاسمةً قامت فيها ثورات كالبلشفية، وبرزت فيها دول قوية كالولايات المتحدة الأمريكية، وفُجِّرت أول قنبلة نووية، وتفجرت ثورات تقنية ومعلوماتية، وشهدت حياة الإنسان تغيرات هائلة غيَّرت من النظام الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي عرفته البشرية في عصورها الماضية.

وسُمِّي هذا العالَم المعاصر بعصر الذرة، والفضاء، والسرعة، والتكنولوجيا، والاتصالات، والتخصصات، والتنمية، وفي المقابل سُمِّي أيضًا بعصر الحروب العالمية، وعصر القلق، والأزمات، على حدٍّ سواء!

إن العالم المعاصر اليوم كما احتوى على تحقيق إنجازات علمية وتقنية هائلة، فإنه أيضًا على شفا جرف هارٍ من الفناء!

يقول جوزيف كاميللري مؤلف كتاب أزمة الحضارة: «وهكذا، فإن أزمة الإنسان المعاصر عميقة جدًّا، وشاملة جدًّا، وأيُّ محاولة مهما كانت جادةً لتحليلها، تبدو تحديًا لقوة العقل البشري وتصوراته....

إنها أزمة اختلال توازن.. قد يدمر نهائيًّا قدرة الإنسان على التكيف البيولوجي والثقافي مع بيئته.. وقد تمنعه من الاستمرار في نقل سرِّ الحياة إلى الأجيال القادمة، وبذلك يضع الإنسان حدًّا لدوره القيادي في سيرورة التقدم والارتقاء، فالأزمة التي تواجه الإنسان المعاصر هي أزمة بقاء!»([3]).

ومع هذا التقدم التقني الهائل لربع سكان الأرض، فإن ثلاثة أرباع العالم المعاصر يعاني من الجهل والجوع والمرض، ويزداد عدد الأُميِّين في العالم كلَّ عامٍ([4]).

إن الإخفاق الهائل في جانب القدرة على التعايش اليوم يهدد البشرية بكارثةٍ تهدد الأمن والبقاء في ظلِّ تنامي حالة العداء بين الشرق والغرب والشمال والجنوب.

وقبل الخوض في تشخيص تلك التهديدات والإخفاقات والتحديات، ينبغي أن تحدد الأسس والملامح التي تَميَّزت بها الحضارة الغربية المعاصرة ونظامها العالمي اليوم.

ولا يتأتَّى هذا إلا بعد فَهم المنظومة الغربية تاريخيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا ودينيًّا في نشأتها الأولى، وإدراك العناصر التي شكَّلت الهُويَّة والشخصية لتلك الحضارة.

وعند إدراك العناصر والمُقوِّمات والمُؤثِّرات الأولى في الهُويَّة والعقلية والشخصية الغربية، فلا يَعسُر عندئذٍ ربط الحاضر بالماضي، وفَهم الأسباب والدوافع، وتفسير الأحداث المعاصرة، وردها إلى بواعثها، وفَهم مآلاتها المستقبلية أيضًا.

فإذا تناولنا على سبيل المثال فكرة الصراع بجذورها الفكرية، ودوافعها العدوانية في التاريخ القديم، فسوف ندرك كيف انتقلت نفس الفكرة إلى العالم الجديد والنظام العالمي، وما عساه أن يكون شكل المستقبل في ظل سيادة فكرة الصراع والتدافع العنيف!

وإذا كان الاستشراق قد وظَّف علومه في استعمار الشرق، وتطويعه وتركيعه للمنظومة الغربية المتغلبة، فإن الاستغراب ينبغي أن يُمثِّل نقطة انطلاق في سبيل التحرر والانعتاق من التبعيَّة بكل أشكالها وأنماطها المتكاثرة.

وبدون تلك الدراسات العميقة، فإنَّ بناء العلاقات مع المنظومة الغربية لن يُبْنى - على الأقل - على أسسٍ تحقق مصلحة الشرق، وترعى خصوصياته، وكثيرًا ما كانت نصائح الغرب للمشرق إنما هي لاستدامة هيمنته، وحرمان العالم الثالث بأسره من حقوقه السليبة، والتعمية على ما يخلفه النظام العالمي من كوارث بحق المهاجرين واللاجئين والمشردين جرَّاء حروب استدعت من جيرمي سكاهيل أن يؤلِّف حروب قذرة([5])، ومن نعوم تشومسكي أن يخرج عدة كتب([6]) في هذا السياق.

إنَّ القراءة التاريخية للصراعات في الحضارات الغربية المتعاقبة في مراحل التاريخ، وأدواره القديمة والوسيطة والحديثة لَيعطي أن العراك مع الأشقاء واستنزاف الذات وإهلاك الحرث والنسل عَبْر حروب دموية طاحنة كان سمةً مميزةً لتلك الشعوب الأوروبية بما لا يوجد له مثيلٌ في العالم بأَسْره، وبالمقارنة فإنَّ حروب العرب في جاهليَّتها الأولى تبدو عندئذ أشبه بلعب الصغار!

كما أن الأرض الجديدة التي مثَّلت العالَم الجديد (الأمريكيتين) قد حظيت بتصديرٍ لفكرة الصراع وتطويرٍ لها لتتحول إلى ساحةٍ لحرب إبادةٍ، وتطهير عرقي للسكان الأصليين.

وعلى مستوى الشرق الأوسط، فإن العداء والعدوان قد بدأ مبكرًا كما يؤرخ ذلك المؤرخون الغربيون، ولقد صدَّر الغرب الصراع ضد العالم بأسره من قديمٍ وإلى الساعة التي نحن فيها الآن!

والنتيجة الحتمية أن الإرهاب بأشكاله كافة، والكراهية والتمييز ضد الآخر وتصدير الصراعات هي صناعة غربية، ومنتج لتلك الحضارة بامتياز، بما يجعل الباحث أمام عقدة عدوانية، وعقيدة قتالية تفتقر إلى الجوانب الأخلاقية والقيمية، وذلك يستدعي تأملًا في الأسباب والبواعث، وطبيعة الشخصية والبيئة الثقافية الغربية.

ومهما قيل من أسباب ودوافع وعوارض وتشخيصات لهذا المرض العضال، ومهما اقترح من علاجات في ظل اختلال موازين القوة العالمية لصالح المنظومة الغربية، فإن الأثر المتوقع لن يكون ملحوظًا! حتى يتملك الآخرون من قوة الردع ما يحمل القوي على إعادة النظر، ومراجعة حقوق البشر.

 



([1]) تغير مسار التاريخ، رأفت الشيخ، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة، 2000م (ص7).

([2]) أطروحات فوكوياما وهنتنجتون، والنظام العالمي الجديد، يحيى سعيد قاعود، مركز البيان للبحوث والدراسات (ص47).

([3]) أزمة الحضارة، جوزيف كاميللري، منشورات وزارة الثقافة بسوريا، 1983م ص (6، 20).

([4]) نفس المصدر السابق ص (7).

([5]) حروب قذرة، ميدان المعركة: العالم، جيرمي سكاهيل، ترجمة سعيد الحسنية، شركة المطبوعات للتوزيع بيروت، 2016م.

([6]) منها: ماذا يريد العم سام، قراصنة وأباطرة الإرهاب الدولي في العالم الحقيقي، الهيمنة أم البقاء (11/ 9)، الإرهاب والإرهاب المضاد، وغيرها.