القوالب الفكرية الجامدة

 

كل دعوة وحركة إسلامية إصلاحية إنما قامت على فكرة أو مجموعة أفكار أساسية، تلقاها روادها الأوائل عن المؤسس الذي وضع البذرة الأولى.

وفي عهد هذا الجيل المؤسس وبمرور الوقت يتشكل قالب فكري، يصبغ العقول بصبغة لا تخطئها عين متفحص للجماعات والمجتمعات الدعوية.

ولما كانت تلك الأفكار بنت بيئتها، ومنسوبة لأصحابها، ومحكومة بضغوطات وتحديات كثيرة، فإنها بمرور الوقت تحتاج إلى مراجعات في ضوء تطور المتغيرات التي كانت سببًا في صدور تلك الأفكار على النحو الأول.

وغالبًا ما تطرح تلك المراجعة الفكرية من الأجيال التالية، وبعد أن تحولت تلك القوالب الفكرية إلى ما يشبه المواثيق التي عليها يقع التعاقد والتعاهد على المضيِّ في طريق تلك الدعوة!

ومن هنا تظهر مشكلة القوالب الفكرية التي تجمدت بحيث لا تقبل مراجعة أو نقدًا أو تصويبًا، ومن ثمَّ تعتبر كل محاولة للتصحيح تمردًا، وكل مناقشة لتلك القوالب تعنتًا، ويواجه أصحاب تلك المراجعات بتهَمِ محاولةِ زعزعة فكر الجماعة الذي استقر، أو هزِّ الثوابت الفكرية التي هي صمام أمان العمل الجماعي!

وغالبًا ما ينتهي الأمر بخروج أولئك المفكرين في الأجيال التالية إما بحركات انفصالية عن دعوتهم الأم، وإما بمغادرة للصف الدعوي بعد عجزها عن المسايرة والمتابعة على الجمود الفكري من جهة، وبعد عجز القيادات عن الاستيعاب لفكرة النقد الذاتي، والمراجعة الفكرية الداخلية من الجهة الأخرى!

وبناءً عليه فإن القوالب التي تجمدت فكريًّا وذهنيًّا تمثل حجر عثرة أمام وجود عقل استراتيجي مبدع، يحسن توصيف المشكلات، ونقد العلاجات، وطرح الحلول المبتكرة في مسيرة العمل الإسلامي المعاصر.

إن بقاء تلك المجتمعات الدعوية حيَّة فاعلة قادرة على التأثير الإيجابي مرهون بقابلية المراجعة للقوالب الفكرية النظرية، وللوسائل والأساليب العملية والحركية على حدٍّ سواء.

وليس أضرَّ على تلك الكيانات الفكرية العملية من مبدأ: «ليس بالإمكان أبدع مما كان»، على مستوى الفكر والتنظير، كما هو على مستوى الفعل والتدبير.

وأسوأ ما في تلك القوالب الفكرية الجامدة أن تعتبر الثوابت متغيرات! أو أن تُعدَّ الفروعُ أصولًا! أو أن تنقلب الواسائل إلى غابات، وبهذا يختل الميزان، وتتسع شقة الانحراف.