خصوم الأمة وأعداؤها

 

الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده، وبعد:

فإن الأمة المسلمة اليوم تواجهها مشاريعٌ عدائيةٌ متعددةٌ بتعدد الباطل، ومتلونةٌ بتلون صوره وأشكاله! وبالجملة فإن كل من يقف حجر عثرة دون أن تنهض هذه الأمة على أساس من عقيدتها الواحدة، ووحدتها الجامعة؛ فإنما يقف في صف أعدائها!

ويمكننا أن نحصي عددًا من أعدائها الماديين أصحاب المشاريع الكلية المتناقضة، والمناهضة للانبعاث الحضاري لهذه الأمة، كما يمكن عدُّ تحديات أخرى بتجليات فكرية ومعنوية، وإدراك تلك التحديات جميعًا من الأهمية بمكان، غير أن أهم تلك المشاريع المناهضة للأمة ما يلي:

1- المشروع الصهيوني:

ذلك المشروع يعتبر أكبر تلك التحديات الخارجية للأمة المسلمة، فهو يحمل في طياته العداء الديني والسياسي والحضاري على حد سواء!

قال تعالى: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ[المائدة: 82]، وتلك عداوة ضاربة في شعاب الزمن، وهي إلى يوم الناس هذا، بل وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها!

ولتلك العداوة الدينية شق سياسي، يتمثل في اغتصاب الأرض المقدسة، واحتلال فلسطين، وتهجير كثير من أهلها، وتوسع استيطاني على أرضها، مع امتدادات استعمارية في الجولان السوري والجنوب اللبناني، والخارطة التوسعية من النيل إلى الفرات لا تزال حلمًا يسعى الصهاينة إلى تحقيقه!

ولقد تمكن هذا المشروع في السنوات الماضية من تحقيق تفوق عسكري، وصناعي تقني، وعلمي بحثي، يدعم المشروع بأسره، ويقوي الجانب السياسي الذي لم يعد يستخفي اليوم بتركيع ما حوله من الأنظمة السياسية العربية، والتدخل في إدارتها، وتملُّك ناصية القرار السيادي فيها، مع الإعلان الرسمي بالتطبيع، والقبول بالقدس عاصمة يهودية عبر سياسة فرض الأمر الواقع.

2- المشروع الصليبي:

وهو مشروع قديم قِدَمَ تلك الحروب الصليبية التي امتدت لقرنين من الزمان، والتي تعددت صورها وتعاقبت أشكالها العسكرية، حتى قوَّضت الدولة العثمانية، واقتسمت أرضها الإسلامية، ثم لم تتمكن من الاستقرار طويلًا، فاتخذت شكلًا جديدًا للاحتلال السياسي للقرارات، والاستعمار الفكري للعقول، والتبعية الاقتصادية والتقنية للشرق بأسره!

وقد مهَّد لذلك شخصيات متغربة الثقافة، وتيارات أدبية إلحادية وافدة على الحضارة العربية والإسلامية!

وتظاهَرَ المشروعُ الصهيونيُّ مع الصليبيِّ بشكل سافرٍ في اغتصاب فلسطين، وفي وأد حركات التحرر والمقاومة، وأخيرًا في تطويق الربيع العربي الثائر على الطغيان الموالي لأعداء الأمة.

3- المشروع العلماني:

إن المشروع العلماني هو ربيب المشروعَيْن الصهيوني والصليبي، وهو ما جرت صناعته ليخلف الاستعمار الغربي في بلاد الشرق، حاكمًا عليها، مواليًا لأعدائها، متبرئًا- في الأغلب- من عقيدتها وشريعتها، مغتربًا- بالجملة- عن ثقافتها وحضارتها!

وتتعدد صور هذا المشروع وتجلياته؛ ففي الجوانب السياسية هو استبدادي ديكتاتوري محارب للشريعة، وفي الجوانب الفكرية هو قومي أو ليبرالي، أو هما معًا، يعلي من نظرية السيادة للشعب قانونيًّا، ولا ينصاع لها إذا خالفت مصالح الغرب، ويعتنق الديموقراطية، ويكفر بها إذا أتت بخصوم المشروع الصهيو صليبي في الأمة الإسلامية!!

بل وينوب عنه في التصدي لكل مشروع إسلامي في الشرق، في كل مجال سياسي أو اقتصادي أو ثقافي، بحيث يصبح الشرق بلا هوية ولا مشروع جامع، قابعًا تحت خط الفقر والتخلف والمرض والتبعية والعجز المطلق! محرومًا من كل حقوق الإنسان إلا التصفيق للطغيان! وممالأة صنائع الفساد والاستبداد!

وهو مشروع يعتني كل العناية بالترويج للإلحاد، والتسويق للشبهات، والتأجيج للشهوات والرذيلة، والتنفير من الطهر والفضيلة، ومحاربة الأمة في مناهجها التعليمية، ومنابرها الإعلامية

4- المشروع الصفوي:

وهو مشروع ديني سياسي أيضًا، يجتمع مع المشاريع الثلاثة، متعاونًا معها متى كان الخصم سُنيًّا، فإن لم يكن كذلك كانت له مواقفه المستقلة!

وهو مشروع يتمدد بقوة داخل الديار السُّنِّية، من إندونيسيا إلى موريتانيا، ويزعم اليوم إحكام قبضته على العراق وسوريا واليمن ولبنان!  ويفاخر بحضوره المؤثر في معظم دول الخليج العربي!

ويتشدق بأنه ورث تركة تلك الدول في إفريقيا، وصنع له أتباعًا هم بمثابة وقود وذخيرة حروبه المقبلة مع السُّنَّة في ديارهم!

وقد اشترى له أبواقًا من الجهلة والمأفونين في بلاد السنة؛ ليفتحوا له أبواب الاختراق والتشييع، والتثوير لأهلها على السنة وأهلها!

وهو ساع في ذات الوقت في اختراق كل مشروع إسلامي مقاوم، عبر دعمٍ سخيٍّ يفتح باب ضلالة وغيٍّ. 

 

5- المشروع التفكيكي:

وهو مشروع يتمالأ عليه أصحاب المشاريع الأربعة السابقة، ويستعملون فيه فرق الغلاة والجفاة على حد سواء! وغايته تفكيك المفكك، وتجزيئ المجزأ، وإضعاف اللحمة بين طوائف وفئات الأمة.

فالغلاة في التيار الجهادي يُستعملون من قِبل أصحاب المشاريع الأربعة جميعًا، للقضاء على الجهاد السني!

وقد حصل هذا بجلاء في العراق وسوريا وغيرها، بحيث تخضد شوكة الجهاد السني وأهله، ويتفرق جمعهم.

والغلاة في التيار السلفي الدخيل يُستعملون من قِبل أصحاب تلك المشاريع للقضاء على التيار السلفي الأصيل، بتبديع رجالاته، وتشويه رموزه، ورميهم بالتكفير تارة وبالتمييع أخرى! ووصمهم بكل نقيصة تفضُّ الناس عنهم!

وقد تُوظف فرق وطوائف اعتزالية أو أشعرية غالية، وأخرى صوفية طرقية غالية في هذا الصراع التفكيكي لتعميق الفجوات، وتوسيع دائرة الخلافات، وإحياء ما اندثر من التيارات- على نحو ما لوحظ في مؤتمر جروزني بالشيشان 2016م-؛ ليعود التدين في الشرق الأوسط عقلانيًا فلسفيًا، أو طرقيًا خرافيًا!

وقد تُستدعى الإثنيات والعرقيات في البلد الواحد، وتثار قضايا القوميات لمزيد من تقطيع الأواصر، وتمزيق الممزق، وتجزيئ المجزأ!

وقد تُزرع بذور الفُرقة بين طوائف دعاة أهل السنة، عبر أفكار خاطئة حول الجماعة ولزومها، والوحدة وأصولها، وعبر التنافس العملي في أرض الدعوة، بحيث يتحول التنوع إلى محنة وفتنة، لا منحة وعصمة!

6- المشروع الباطني:

وهذا المشروع أخطر تلك المشاريع على الدين؛ لأن غايته تبديل الدين الحق، وتغيير عقيدة المسلمين، وذلك بتبني فرق الباطنية تارة، والفلسفات الإلحادية تارة أخرى، والترويج لديانة موحَّدة تحت شعار الدين الإبراهيمي أو دين الحب والسلام، وهذه خلاصة ما ينادى إليه من وحدة الأديان!

وفي هذا المشروع تُغيَّب الشرائع، وتُسقَط التكاليف، وتذوب الحواجز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والحلال والحرام، ويتوسل بعقيدة الحلول والاتحاد، ويستعان بغلاة أهل البدع ورؤوس الضلالة العالميين، وتنفق في بناء مؤسسات مشبوهة الملايين!

والدعم العالمي الهائل الذي لقيته فرق النصيرية والإسماعيلية والدرزية واليزيدية- وما تزال- ما هو إلا بعض دلائل الحرص على ذلك المشروع، وأما النشاط الذي يصنع لترويجها في مؤتمرات دولية وإقليمية، وفعاليات متعددة في قلب العالم العربي والإسلامي- فحدث عنه ولا حرج!

وهذا المشروع ليس بغائب ولا بعيد الصلة بالمشاريع السابقة، بل هو في مركز الاهتمام وبؤرة الانسجام.

وإذا أدرك أهل السنة خطورة تلك المشاريع جميعًا، واجتماعها على حرب السنة، فإن البحث في السبل المشروعة لاستبانة سبل المجرمين، وحماية أهل الإسلام من كيد المبطلين من أعظم الواجبات في هذا الزمان، وكما أن العلم بالخير سبب إلى فعله، فإن العلم بالشر سبب إلى منعه.

    وامتلاك أهل السنة لرؤية صحيحة واضحة عن الأمة- بمجتمعاتها ومشكلاتها وتحدياتها- يمهِّد السبيل لتحديد وسائل علاجها دون فوضى أو تخبط، ويمكِّن أهل القرار من اتخاذه في الوقت المناسب، وبالأسلوب المناسب.

ومن لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الحق لم يعرف أحكام الله عز وجل في عباده، ومن الخطأ البين الاستعاضة عن طلب هذا الوعي بأي أمر آخر، ولو كان صدقَ البذل والتضحية؛ لأن البذل لا ينتج ثمرته ولا يعطي نتيجته إلا لو استوفى شروط إنتاجه، وانتفت موانعه.

وأخيرًا فإن هذا الإدراك يمنع من تكرار الأخطاء في ساحة العمل لدين الله، والأصل أنه «لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ»([1]).

وستبقى الأمة بقيادة أهل السنة مرابطة على ثغور الدين الحق، قائمة بأمر الله، ومراغمة لأعدائه، وهي بانتظار قيام المشروع العالمي لأهل السنة؛ ليأخذ مكانه في هداية البشرية وإبطال كيد الكائدين.

فاللهم هب أمة حبيبك بصيرةً تهديها، وقوةً على إقامة دينك لا تطغيها، واخذل اللهم كل من رام اجتيالها عن سبيلك، أو حرفها عن جادَّة دينك، إنك يا ربنا نعم المولى ونعم النصير، والحمد لله رب العالمين.

 



([1]) أخرجه البخاري (6133)، ومسلم (2998) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.