في ظلال أسماء الله الحسنى

إن الحمد لله، نحمده بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ونصلي ونسلم على عبده المصطفى ونبيه المجتبى، وعلى آله وصحبه الكرام النُّجبا، قال سبحانه: ﴿ وَللَّهِ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].

وبعد:

فإن الحياة في ظلال الأسماء الحسنى نعمة ومنة، تزكي النفس وتطهرها، وتفتح للقلب طريق معرفة الرب المعبود، وتمكنه من معاملة السيد المألوه.

وهي حياة في ظلال الإيمان، وعلى ضفاف الإحسان، تُبارك الحسنات، وتمحق السيئات، وتُطلع العبد على أسرار العبودية، وحكمتها وغايتها، معرفة بها يترقى العبد في مدارج الإيمان، ويرتقي درج الجنان!

وفي هذه الحياة تحصيل أصل العلوم وأشرفها؛ إذا أحصاء أسماء الله تعالى علمًا وفهمًا هو تحصيل لأصل العلم بكل معلوم، من الأوامر الإلهية أو الأقدار الكونية.

إن مصدر الأمر والخلق هو الله تعالى، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا!

وكلما ازداد العبد علمًا ويقينًا بمعرفة آثار الأسماء الحسنى في الخلق والأمر، قام فرقان الحق والنور بقلبه، فميَّز الحق من الباطل، والصلاح من الفساد، والعدل من الجور، ولم تشتبه عليه الحكمة بالسَّفَه، ولا الحلم بالطيش، ولا المصلحة بالمفسدة!

 ومن عاش في ظلال أسماء الله الحسنى، فقد سلك الطريق الأكمل في السير إلى الله تعالى، بقلبه وعمله، وحاله كلِّه.

فهو يتعرف إلى الله بها علمًا وإحصاء، وهو يتقرب إلى الله بها دعاء عبادة وتمجيد.

وهو يسأل الله بها دعاء مسألة وطلب، وهو يتعبد الله بها نظرًا في حكمته، وفي كونه وقدره، وأمره ونهيه.

وهو يؤمن بها إيمانًا يورث محبة كاملة، تتولد من مطالعة آثار أسماء الله وصفاته وأفعاله.

ومن دخل إلى الله من باب معرفته ومحبته، لم يشبع من طلب مرضاته بطاعته، ولم يكتف من ارتشاف رحيق العلم، ولم يرتو له ظمأ من محبته والأنس به!

فهذا العلم سبيل قاصد لسعادة الدنيا والآخرة، «فالسير إلى الله من طريق الأسماء والصفات شأنه عجب وفتحه عجب، صاحبه قد سيقت له السعادة وهو مستلق على فراشه من غير تعب، ولا مكدود ولا مشتت عن وطنه، ولا مشرَّد عن مسكنه»([1]).

والله تعالى سبحانه يحب التعرُّف على صفاته وأسمائه، وقد بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم من يقرأ سورة الإخلاص في كل ركعة- لمحبته إياها- بأن الله تعالى يحبه، وأن حبه إياها- لأنها صفة الرحمن- أدخله الجنة!([2]).

فمن أحب سورة الإخلاص؛ لما فيها من صفات الكمال والجلال لذي الجلال والإكرام، فقد سلك سبيلًا لمحبة الرحمن له.

قال العز بن عبد السلام رحمه الله: «أحبُّ عباد الله تعالى إليه وأكرمهم عليه: العارفون بما يستحقه مولاهم من أوصاف الجلال ونعوت الكمال... هم في رياض معرفته حاضرون، وإلى كمال صفاته ناظرون، وإن نظروا إلى جلاله هابوه وفَنَوا، وإن نظروا إلى جماله أحبوه وصبروا، وإن نظروا إلى شدة نقمته خافوه وأذعنوا، وإن نظروا إلى سعة رحمته رجوه وأنابوا إليه»([3])

-وكل مسلم متشوف لثواب إحصاء أسماء الله تعالى.

-وكل مؤمن متطلع لزيادة إيمانه، بزيادة علمه بربه، بأسمائه وصفاته وأفعاله.

-وكل موحد محتاج لأن يتعبد الله بأسمائه تعالى، وأن يدعوه بها تمجيدًا وثناء، وأن يسأله بها خوفًا ورجاءً.

وكل عالم وعامي يرجو أن يهذِّب أخلاقه بالحياة في ظلال أسماء الله الحسنى، وأن يتربى على مائدتها الربانية، فإذا تجلى الرب سبحانه بصفات الهيبة والعظمة وأسماء الجلال، خضعت له أعناق القلوب، وذلت لعظمته شُم الأنوف، وخشعت لكبريائه الجبال الرواسي.

فإن تجلَّى سبحانه بأسماء الجمال وصفات الكمال، انبسطت لروح ذلك القلوب بعد انقباضها، وانشرحت لذلك الصدور بعد ضيقها، وانفسحت الآمال في رحمة ذي الجلال، وتعلقت النفوس بمحبة ربها الرحمن؛ فتنافست في مرضاته وتسابقت إلى طاعته، وفَرَّت منه إليه، ولجأت وتوكلت عليه، وشهدت ملكًا عظيمًا، وربًّا رحيمًا، وإلهًا قديرًا، يعطي أوسع العطاء، ويرفع الداء والبلاء، فعال لما يريد، موصوف بكل كمال وجمال وجلال، منزَّه عن كل عيب ونقص ومحال.

ومن حظ العبد من أسماء الرب: أن يُعبَّد بتلك الأسماء، فيتسمَّى ويسمِّي بعبد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك.

وعليه أن يعامل كل اسم وصفة بما يقتضيه، فمن علم أن ربه الوكيل متفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع والخفض والرفع، توكل عليه وفوض الأمر إليه.

ومن علم أن ربه العليم يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإنه يحذر أن يطَّلع اللهُ على أمر يشينه في قلبه أو في جوارحه، فيستحيي من علم الله واطلاعه ومراقبته له، أن يراه في معصية.

ثم إن من التعبُّد: أن يتصف العبد بموجب الاسم والصفة مما يليق به، فالعليم يحب كل عليم بأسمائه وصفاته، وشرعه، والكريم يحب كل كريم جواد بالخيرات، والحليم يحب كل حليم عند الغضب، والعَفُوُّ يحب كلَّ عَفُوٍّ عن الزلات، متجاوز عن عباد الله، وهكذا.

فكل كمال ثبت لله تعالى في أسمائه، وأمكن للعبد أن يتصف به من غير ذم ولا نقص ولا مخالفة، فلا حرج في ذلك على العبد، وما كان نقصًا أو يتوجب ذمًّا في حق العبد، فلا يجوز له أن يتصف بموجبه.

فلا يجوز لعبد أن يتصف بكبرياء أو عظمة أو جبروت، أو نحو ذلك مما هو كمال في حق الخالق، ونقص في حق المخلوق!

وأكمل الناس عبودية: من تعبد ودعا ربه بجميع الأسماء والصفات التي هي كمال في حق الخالق، وتصلح للمخلوق من البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، فلا يمنعه التعبُّد باسم المعطي عن عبودية اسمه المانع، ولا عبودية اسمه الودود واللطيف، عن عبودية اسمه العظيم والجبار والمتكبر!

وبتفاوت الخلق في التعبد بأسماء الله الحسنى والدعاء بها، تفاوت الأنوار وحقائق الإيمان في قلوب العباد!

﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [الأنعام: 122].

فيشهد القلبُ ربًّا عظيمًا ودودًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير!

ويشهد القلبُ إثباتَ كل صفة كمال، وتنزيه الرب عن كل نقص ومثال!

تارة يتأمل في كمال تلك الصفات وجلالها وجمالها، وأخرى يتأمل في مفعولات الله وآياته الكونية ودلائلها، وثالثة يتأمل في نعم الله على عبيده ومننه، وأخيرة في حكمة أمره ونهيه، وحكمة قضائه وقدره.

فعند هذا التأمل تكمل محبة الله، وتغتبط القلوب، ويتحقق التوحيد، وتنبعث الجوارح بالطاعات، وتسجد الجوارح والقلوب، وتتلذذ بالعبادات، وتتيسر على الأبدان.

فاللهم افتح لنا بابًا إلى التعرف إليك بأسمائك وصفاتك وآلائك وآياتك، في صفحة الكتاب المسطور، والكون المنظور، برحمتك وإحسانك يا عزيز يا غفور.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 



([1])  طريق الهجرتين (393).

([2]) أخرجه البخاري (7375) ومسلم (813)

([3])  شجرة  المعارف (ص 10).