المستقبل للإسلام في الغرب

 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ربِّ العالمين ، وصلَّى الله وسلَّم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلَّم تسليماً كثيرًا،  أمَّا بعد:  فليس من قبيل المبالغة أن نقول بعد بحث وطول درس: إن المستقبل للإسلام في الغرب، وإن الصورة المشوهة له بينهم آيلة للانحسار بإذن الله، وإن أنصارًا كُثرًا سيَركبون قطار الإسلام، وإن الإنصاف سيعلو صوته تدريجيًّا ولو بعد حين، ونحن نملك على هذا الاستشراف أدلةً وأَمَاراتٍ، نذكر أهمَّها:

أولاً: إن ذلك الاعتماد على تراث حركتَي التنصير والتبشير فيما يتعلق بعرض الإسلام في المناهج آخِذٌ في الانحسار؛ بل ويحلُّ محله كثير من الإنصاف، ولا سيما بعد ضربات موجعة لخطط المستشرقين ومناهجهم، كما يدعم هذا التوجهَ الإيجابي انفتاحٌ حضاري، وتواصل ثقافي وعلمي بين الشرق والغرب، وترجمات صحيحة لكتب الإسلام الأصيلة ومراجعِه الأولى، ولا سيما القرآن الكريم والسنة الصحيحة المطهرة.

ثانيًا: إن إعداد الكتب الدراسية لا تقوم به وزارات التعليم في الغرب، وإنما تتنافَس في إعدادها دور النشر التجارية، والتي يلتزم كثير منها بإسناد الكتب إلى الخبراء الحياديين الملتزمين بدرجة كبيرة بضوابط التحرير والتأليف، علاوةً على حرص عدد منهم على استِشارة المسلمين عند الكتابة، كما أن عددًا من هذه المقررات تولَّى تأليفها مسلمون بأنفسهم، وتجدر الإشارة إلى أن عددًا من المراكز والمؤسسات العلمية قد تأسست في بلاد الشرق لتَكتُب باللغات الحية مباشرة مناهج المقررات، وسلاسل الكتب التعليمية بصورٍ وأشكالٍ راقية، الأمر الذي سيُسهم قريبًا بإذن الله في تصحيح الصورة وكسب مزيد من الأنصار.

ثالثًا: تزايد عدد طلاب العلم من الغربيين المسلمين الذين درسوا بجامعات إسلامية كالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، والأزهر بمصر، وغيرها، وتزايد عدد الطلاب المسلمين المتدينين في تلك المدارس والجامعات من أبناء المهاجرين القدامى والجدد، ومع تملك هاتين الفئتين لناصية اللغة الأجنبية وحسن الفهم للقضايا والأمور الشرعية ستزيد بلا شك نسبة الوعي الصحيح ويقل الوعي الزائف.

رابعًا: مع الاهتمام بالإسلام في الجامعات الغربية زاد عدد المدرسين المؤهلين من أساتذة التاريخ والدراسات الاجتماعية، وقد لمست آثاره الإيجابية خلال العقد الأخير خاصة.

خامسًا: يَسمح نظام الدراسة في المدارس الغربية بتقديم مواد دراسية ذات صبغة دينية يتطوع بتدريسها الآباء وأولياء أمور الطلاب، شريطة الالتزام بعدم ممارسة الدعوة إلى الدين، وهذا مما يُعين على تصحيح المفاهيم أيضًا.

سادسًا: لقد أثرت عوامل متعدِّدة في إقبال الغرب على التعرف على الإسلام من أفواه أبنائه؛ لذا يُرصد إقبالٌ متنامٍ على مراكز تعليم اللغة العربية لغير أهلها، وهذا الإقبال يُسجل من المسلمين الجدد وكذا من غير المسلمين؛ ولذا فإن بلادًا كمصر والشام والسودان تشهد حركة نشطة في تعليم العربية لغير أهلها، كما لوحظ أن عددًا من هؤلاء الدارسين يشغلون مناصب مرموقة كعمداء كليات وأساتذة أكاديميين ومثقفين.

سابعًا: إن جنون القوة وغطرستها التي يمارسها الغرب اليوم سيجعل عمر هذه الهيمنة قصيرًا، خصوصًا تلك البلاد التي تُساس بعقلية رعاة البقر، والذين يفتقرون إلى تاريخ حضاري يسلِّحهم بدبلوماسية ناجحة، ولا سيما أن هؤلاء لا يشكلون أمة بالمعنى العلمي؛ إذ إنهم خليط متنافر من الأمم والثقافات، وفي العالم حراك سياسي واقتصادي من شأنه أن يقضي على الأحادية العالمية لتتعدد الأقطاب، وتتصدر قوى جديدة تعيد التوازن مرة أخرى.

ثامنًا: إن عالمنا الإسلامي اليوم أنضجُ كثيرًا منه قبل مائة عام، وإن مقارنة سريعة بين حالة الأمة الراهنة اليوم، والأمة قبل قرن من الزمان - تدلُّ دلالة واضحة على أن علامات إيجابية تلوح في الأفق؛ بحيث لا نجد حرجًا - بحمد الله - في وصف هذا القرن الحالي بقرن الإسلام، ولقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي حركات بعث قوية ترجمت إلى ظواهر علمية وفكرية؛ بل وسياسية، وما خبر ما يُسمى بالإسلام السياسي في تركيا والسودان وأفغانستان والجزائر وفلسطين وأخيرًا في الصومال عنا ببعيد، وهي تجارب وإن لم يَكتمل بعضها أو انتقد بعضها الآخر، إلا أنها تدل على حالة من الوعي والحركة والنشاط لا ُتشابهه حالة الأمة قبل قرن من الزمان.

وهذا القرن سيشهد - بإذن الله - مزيدًا من إعلان إفلاس المشروع الغربي بحداثته وما بعد حداثته، بل إننا نعدُّ من أمارات العافية هذا التوجه المحموم للنيل من الإسلام وحرماته، ولا يكون هذا من منتصر أو غالب، ويقابله هذا الاعتداد المتنامي بالإسلام وقيمه من شبابه ورجاله ونسائه، ولا يكون هذا من مهزوم، الأمر الذي سيفضي - بإذن الله - إلى بعث الحضارة الإسلامية وتقديمها للعالم بأسرِه، وإقامتها على أرض الواقع، لا لتصارع غيرها، وإنما لتتفاعل تفاعلاً صحيحًا مع الآخرين بمختلف أطيافهم الحضارية والدينية.

تاسعًا: ومما يدعو إلى الأمل أن الغرب ليس على درجة واحدة من العداء، وليس على كلمةٍ سواء في العداء؛ فمنهم من يُنصف ويعترف ويقدِّر الإسلام ورموزه، سواء من دخل منهم في الدين الحق ومن لم يفعل، وهم ينتمون إلى طوائف مهنية متعدِّدة؛ فمنهم الإعلاميون؛ كروبرت فيسك البريطاني، ومنهم أساتذة الأديان المتخصصون؛ كجون إسبوزيتو، وكارل إيرنست، ومايكل سيلز الأمريكيين، ومنهم رهبان؛ ككارين آرمسترونج البريطانية، بل ومنهم أمراء؛ كالأمير تشارلز الإنجليزي.

كما أن في الغرب رصيدًا قويًّا من إخواننا المسلمين من أهل تلك البلاد الغربية، ومن المتوطنين بها ممن هاجر إليها من بلادنا، وهؤلاء رصيد ضخم مبارك.

وأخيرًا: فإن الغالبية الساحقة من أهل تلك الديار ممن لا يعرفون عن الإسلام أو شوهت معارفهم - يحتاجون إلى مزيد معرفة وتبصير؛ حتى ينقلبوا منصفين أو محايدين على الأقل، ولا شك أن إدراك الواقع بحقيقته لمما يساعد على تحديد الهدف وإنجاز العمل.

ويبقى قول الحق - تبارك وتعالى -: ? إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? [النور: 11]، يدفعنا إلى استلهام الحِكَم، واستجلاء الخطط، وليَحدونا الأمل نحو العمل، وعليه فما العمل؟!