الشريعة ثابتة ومرنة ويسر كلها

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ربِّ العالمين ، وصلَّى الله وسلَّم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسلَّم تسليماً كثيرًا،  أمَّا بعد: فمن غير شكٍّ أن أحكام الشريعة يَكتنِفها اليسر من كل جانب؛ قال الله تعالى: ? يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ? [البقرة: 185].

وقال الله تعالى: ? وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ? [الحج: 78].

وأحكام الشريعة - بحمد الله - ليس فيها عنَتٌ ولا حرج بوجه من الوجوه، بل روحها التخفيف.

ولقد قال الله تعالى عن هذا المعنى: ? لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ? [الأحزاب: 37].

وفي نفي الحرج عن أصحاب الأعذار قال الله تعالى: ? مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ? [المائدة: 6].

وقال الله تعالى: ? لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ? [النور: 61].

وعن إرادة التخفيف على المسلمين؛ قال الله تعالى: ? يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ? [النساء: 28].

ومن دلائل اليُسر والسماحة في الشريعة ما وُصف به نبي الله صلى الله عليه وسلم في نفسِه وفي دينه ودعوته وشريعته:

قال الله تعالى: ? لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ? [التوبة: 128].

وفي الحديث: ((بُعِثتُ بالحنيفية السَّمْحَة))([1]).

وفي الحثِّ على السماحة قال صلى الله عليه وسلم: ((رحمَ اللهُ رجلاً سمحًا إذا باعَ، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى))([2]).

وفي بيان هديه صلى الله عليه وسلم في السماحة واليسر: قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيِّر رسولُ الله بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا"([3]).

وفي الحديث أيضًا: ((إن الدِّين يُسْرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غَلَبَه))([4])

وفي الأمر بالتيسير والتبشير معنى ولفظًا قال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّما بُعثتم مُيسِّرين، ولم تُبعثوا مُعسِّرين))([5]).

وفي الحديث: ((يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنفِّروا))([6])

والشريعة ثابتةٌ ومرنةٌ:

فمن خصائص الشريعة الذاتية أنها تجمع بين الثبات والمرونة، أما الثبات؛ ففي العقائد والعبادات والأحوال الشخصية والأخلاق والحدود وغيرها:

قال الله تعالى: ? لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ? [البقرة: 177].

وقال الله تعالى: ? وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ? [النساء: 136].

ويكون الثبات أيضًا في العبادات الشخصية؛ كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأحكام الزواج والطلاق، وغيرها.

قال الله تعالى: ? وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ? [الأنعام: 115].

وقال الله تعالى: ? فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ? [فاطر: 43].

وفي حديث جبريل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً...))، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره...))، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك))([7]).

 

وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))([8]).

وأما المرونة، فيَشهد لها جملة أمور، منها:

1- إباحة المحرمات عند الاضطرار والإكراه:

قال الله تعالى: ? إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ? [البقرة: 173]، وقال الله تعالى: ? إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ? [النحل: 106].

2- تقييد الأعمال الشرعية بالاستطاعة:

قال الله تعالى: ? وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ? [آل عمران: 97].

وقال الله تعالى: ? فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ? [التغابن: 16]

وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: ((صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب))([9]).

وفي الحديث أيضًا قال صلى الله عليه وسلم: ((مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))([10]).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما نَهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم))([11]).

3-  تشريع الرخص عند المشقات:

ففي صلاة السفر قال الله تعالى: ? وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ? [النساء: 101]، وفي صلاة الخوف قال الله تعالى: ? وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ? [النساء: 102].

4- عدم مؤاخذة الإنسان عند عذرِه القاهر:

ففي رفع إثم الخطأ والنسيان قال الله تعالى: ? رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ? [البقرة: 286].

وفي رفع الإثم عند الاضطرار قال الله تعالى: ? لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ? [آل عمران: 28].

 

وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله وضع عن أُمَّتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه))([12]).

وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: ((رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المُبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يَكبَر))([13]).

وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: ((إن الله تَجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تكلَّم))([14]).

 

 

 

 

 



([1])  أخرجه أحمد (22291).

([2]) أخرجه البخاري (2076).

([3]) أخرجه البخاري (3560، 6126)، ومسلم (2327).

([4])أخرجه البخاري (39).

([5])أخرجه البخاري (220، 6128).

([6]) أخرجه البخاري (69، 6125)، ومسلم (1734).

([7])أخرجه مسلم (8).

([8])أخرجه البخاري (8، 4514)، ومسلم (16).

([9]) أخرجه البخاري (1117).

([10])أخرجه مسلم (49).

([11])أخرجه مسلم (1337).

([12])أخرجه ابن ماجه (2045)، والطبراني في الأوسط (8273)، وأبو نعيم في حلية الأولياء (6 / 352).

([13]) أخرجه أحمد (940)، وأبو داود (4403)، والترمذي (1423)، والنسائي في الكبرى (7347)، وابن ماجه (2041، 2042)، والبيهقي (8 / 265).

([14]) أخرجه البخاري (2528، 5269، 6664)، ومسلم (127).