قالوا عن الشريعة والاقتصاد

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.يقول (جوستاف لوبون) في "حضارة العرب": "لا عهد للمسلمين بتلك الطبقات الاجتماعية التي أدى وجودها إلى أعنفِ الثورات في الغرب، ولا يزال يؤدي"[1].

ويقول (مسيو لويلد) في كتابه: "حضارة العرب": "صان المسلمون أنفسهم حتى الآن من مثل خطايا الغرب الهائلة فيما يمسُّ رفاهية طبقة العمال، وتراهُم يُحافظون بإخلاص على النظم الباهِرة التي يُساوي بها الإسلام بين الغنيِّ والفقير والسيد والأجير على العموم، وليس من المبالغة أن يقال إذًا: إن الشعب الذي يزعم الأوربيون أنهم يرغبون في إصلاحه هو خير مثال في ذلك الأثر الجوهري"[2].

وقال (ليود روش): "لقد وجدت في الزكاة حلَّ المشكلتين الاجتماعيتين اللتين تشغلان العالم؛ الأولى في قول القرآن: ? إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ? [الحجرات: 10]، فهذا أجمل مبادئ الاشتراكية، والثانية: فرض الزكاة على كل ذي مال، وتخويل الفقراء حق أخذها غصبًا إذا امتنع الأغنياء عن دفعها طوعًا، وهذا دواء الفوضوية"[3].

وكتب بوفيس فانسون رئيس تحرير مجلة (تشالينجز) بتاريخ 4 / 10 / 1429هـ، الموافق: 5 / 10 / 2008م في افتتاحية المجلة موضوعًا بعنوان (البابا أو القرآن)، تساءل فيه عن أخلاقية الرأسمالية، ودور المسيحية كديانة، والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مشيرًا إلى أن هذا السلوك الاقتصادي السيئ أَوْدَى بالبشرية إلى الهاوية.

وتساءل الكاتب بأسلوب يَقترب من التهكُّم عن موقف الكنيسة، ومُستسمحًا البابا بنديكيت السادس عشر قائلاً: "أظن أننا في هذه الأزمة أحوج إلى قراءة القرآن بدلاً من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا؛ لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترامَ ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبَّقوها، ما حلَّ بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود!".

ودعا رولان لاسكين رئيس تحرير صحيفة (لوجورنال دي فينانس) إلى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي؛ لوضع حدٍّ لهذه الأزمة التي تهزُّ أسواقَ العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة.

وفي مقاله الذي جاء بعنوان: "هل تأهَّلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟" عرَض "لاسكين" المخاطر التي تحدق بالرأسمالية، وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدَّم سلسلة من المقترحات المثيرة، في مقدمتها: تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.

وقد دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضم النظام المصرفي الإسلامي إلى النظام المصرفي في فرنسا، وقال المجلس في تقريرٍ أعدَّته لجنة تُعنى بالشؤون المالية في المجلس: إنَّ النظام المصرفي الذي يعتمِد على قواعد مستمَدَّة من الشريعة الإسلامية مُريح للجميع، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وأكَّدَ التقرير الصادر عن اللجنة المالية لمراقبة الميزانية والحسابات الاقتصادية للدولة بالمجلس أن هذا النظام المصرفي الإسلامي الذي يعيش ازدهارًا واضحًا قَابِل للتطبيق في فرنسا.

وقد أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية في وقت سابق قرارًا يقضي بمنع تداولِ الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي، واشتراط التقابض في أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو ما يتطابَق مع أحكام الفقه الإسلامي، كما أصدرت نفس الهيئة قرارًا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامية في السوق المنظمة الفرنسية، والصكوك الإسلامية هي عبارة عن سندات إسلامية مرتبطة بأصول ضامنة بطرق متنوعة تتلاءم مع مقتضيات الشريعة الإسلامية.

وأشارت الباحثة الإيطالية لوريتا نابليوني في كتاب لها صدر مؤخرًا بعنوان (اقتصاد ابن آوى) إلى أهمية التمويل الإسلامي ودوره في إنقاذ الاقتصاد الغربي، واعتبرت نابليوني أن "مسؤولية الوضع الطارئ في الاقتصاد العالمي، والذي نعيشه اليوم، ناتج عن الفساد المستشري والمضاربات التي تتحكم بالسوق، والتي أدت إلى مضاعفة الآثار الاقتصادية".

وأضافت أن "التوازن في الأسواق المالية يمكن التوصل إليه بفضل التمويل الإسلامي بعد تحطيم التصنيف الغربي الذي يُشبِّه الاقتصاد الإسلامي بالإرهاب".

ورأت نابليوني أن التمويل الإسلامي هو القطاع الأكثر ديناميكية في عالم المال الكوني.

وأوضحت أن "المصارف الإسلامية يمكن أن تصبح البديل المناسب للبنوك الغربية؛ فمع انهيار البورصات في هذه الأيام، وأزمة القروض في الولايات المتحدة - فإن النظام المصرفي التقليدي بدأ يُظهر تصدعًا، ويحتاج إلى حلول جذرية عميقة".

وتطرق الاقتصادي الفرنسي "موريس آلي" الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد إلى الأزمة الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد العالمي بقيادة الليبرالية المتوحشة، معتبرًا أن الوضع على حافة بركان، ومهددًا بالانهيار تحت وطأة الأزمة المضاعفة (المديونية والبطالة).

واقترح للخروج من الأزمة وإعادة التوازن شرطين، هما: تعديل معدل الفائدة إلى حدود الصفر، ومراجعة معدل الضريبة إلى ما يقارب 2%، وهو ما يتطابق تمامًا مع إلغاء الربا ونسبة الزكاة في النظام الإسلامي.

ونُشِر تقريرٌ اقتصادي عام 1966م عن الحالة الاقتصادية في روسيا، جاء فيه: أن ربع الجرائم التي ترتكب في الدولة الروسية جرائم تتعلق بسوء استخدام ممتلكات الدولة (الأموال العامة)؛ مما دفع المسؤولين إلى إنشاء مكتب لمكافحة نهب الممتلكات الاشتراكية، لكن أمكن شراء ذمم موظفي هذه المكاتب.

كما أن إجراءات الرقابة الواسعة النطاق التي اتخذت لحماية المخازن والمصانع والمزارع قد فشلت، وأكثر المرتشين هناك هم البائعون الذين يَحصلون على أجور ضئيلة؛ لذا يُخفون السلع غير المتوفِّرة ويبيعونها لكل من يدفع الرشوة.



[1] حضارة العرب؛ جوستاف لوبون (391).

[2] حضارة العرب؛ جوستاف لوبون (391).

[3] فقه الزكاة؛ د. يوسف القرضاوي (2 / 1185).